1 تقويض النظام الحالي، وتشييد نظام جديد على انقاضه
يضمن توزيع الثروة توزيعا عادلا بين‏الافراد.
2 الغاء الملكية الخاصة ثروات الانتاج كراس المال،
والارض، والمصانع، على ان تستولي الدولة على‏هذه الملكيات
جميعها وتجعلها ملكية عامة تديرها للمصلحة العامة.
3 يشتغل الافراد لحساب الدولة باجور تعط‏ى لهم بالتساوي،
على اساس قيمة العمل الذي ينتجه‏كل‏منهم، وتبعا لذلك لا
يكون هناك دخل للافراد سوى الاجور.
وتنفرد الشيوعى ة عن بقية الاشتراكيين بامرين:
احدهما: الغاء الملكية الخاصة الغاء نهائيا من غير فرق بين
ثروات الانتاج وثروات الاستهلاك.
وثانيهما: توزيعها المال بين الافراد لكل على حسب حاجته،
ويستخدم من كل على حسب قدرته، فيكلف‏العامل بالعمل
على قدر استطاعته، ويدر عليه المعاش بما يسد حاجته.
فعلينا هاهنا ان نعيد ذكر ما هتف به ابو ذر في شتى مواقفه، وما
رواه عن رسول اللّه (ص) في باب الاموال،وما قال في حقه
عظماء الصحابة من الاطراء له والدفاع عنه بعد هتافه بما هتف،
وما يؤثر فيه عن رسول‏اللّه (ص) من الثناء الجميل وعهده اليه
بما ينتابه من النكبات. فننظر اليها نظرة مستشف للحقيقة
فنرى هل‏ينطبق شي‏ء منها على مواد الشيوعية والاشتراكية؟
او ينحسر عنه ذلك الافك المفترى داحرا الى حضيض‏البهت
والافتراء.
ان من قول ابي ذر لعثمان: ويحك يا عثمان اما رايت رسول اللّه
(ص) ورايت ابا بكر وعمر، هل رايت هذاهديهم؟ انك لتبطش
بي بطش جبار.
ومن قوله له ايضا: اتبع سنة صاحبيك لا يكن لاحد عليك كلام.
قال عثمان: مالك وذلك لا ام لك؟ قال ابوذر: واللّه ما وجدت
لي عذرا الا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
تجد ابا ذر هاهنا يلفت نظر عثمان الى عهد الرسالة ثم الى عهد
الشيخين ويدعوه الى اتباع تلكم السير، ومن‏جلية الحال عند
هاتيك الادوار الثلاثة اطراد الملكية الخاصة، ووجود اهل
اليسار من الملاكين والتجار،وحريتهم في ثروتي الانتاج
والاستهلاك، واختصاص كل مالية من نقود او عقار او ضياع او
مصانع اواطعمة باربابها، ومن النواميس المسلمة عند نبي
الاسلام (ص) انه لا يحل مال امرى الا بطيب نفسه
((1542))وفي الذكر الحكيم: (لا تاكلوا اموالكم بينكم بالباطل
الا ان تكون تجارة عن تراض) ((1543))، فتجده يعزو
الاموال‏الى اربابها ويحرم اكلها بالباطل الا ان تستباح بتجارة
شرعية تستتبع رضا المالك الخاص، وهناك آيات‏كريمة كثيرة
تربو على خمسين آية لم يعدها عزو الاموال الى مالكيها. تقدم
شطر منها في صفحة (340).
فابو ذر في هذا الموقف يدعو الى ضد الدعوة الاشتراكية
الملغية للملكية الخاصة، ويرى مخالفة ذلك من‏المنكر الذي
يجب النهي عنه، فلم يردعه عما مضى فيه قول عثمان: مالك
وذلك لا ام لك.
ومن قوله لمعاوية لما بنى الخضراء: ان كانت هذه الدار من مال
اللّه فهي الخيانة، وان كانت من مالك فهذاالاسراف.
فابو ذر هاهنا يجوز ان يكون المال مقسوما الى مال اللّه والى ما
يخص للانسان نفسه، فيرتب على الاول‏الخيانة، وعلى الثاني
السرف، ولم ينقم على معاوية نفس تصرفه في المال وانما نقم
عليه احد الامرين الخيانة‏او الاسراف، ولو كان ملغيا للملكية
لكان الواجب عليه ان ينتقد منه اصل تصرفه في تلكم الاموال.
وتراه يسمي مال المسلمين من الفي‏ء والصدقات والغنائم مال
اللّه، وقد روى ذلك عن رسول اللّه (ص)ايضالعثمان حيث قال
له: اشهد اني سمعت رسول اللّه(ص) يقول: «اذا بلغ بنو ابي
العاص ثلاثين رجلا جعلوامال اللّه دولا ، وعباده خولا، ودينه
دخلا» وصدقه في حديثه مولانا امير المؤمنين (ع).
وهذه التسمية لم تكن قصرا على عهد ابي ذر ومعاوية وانما
كانت دارجة قبله وبعده، هذا عمر بن الخطاب‏وقوله لابي
هريرة لما قدم من البحرين: يا عدو اللّه وعدو كتابه اسرقت مال
اللّه؟ قال: لست بعدو اللّه ولابعدو كتابه، ولكني عدو من
عاداهما، ولم اسرق مال اللّه ((1544)).
وقال الاحنف بن قيس: كنا جلوسا بباب عمر فخرجت جارية،
فقلنا: هذه سرية عمر، فقالت: انها ليست‏بسرية عمر انها لا تحل
لعمر، انها من مال اللّه. قال: فتذاكرنا بيننا ما يحل له من مال
اللّه، قال: فرقى ذلك اليه‏فارسل الينا، فقال: ما كنتم تذاكرون؟
فقلنا: خرجت علينا جارية فقلنا: هذه سرية عمر. فقالت:
انهاليست بسرية عمر انها لا تحل لعمر، انها من مال اللّه،
فتذاكرنا بيننا ما يحل لك من مال اللّه. فقال: الااخبركم بما
استحل من مال اللّه؟ حلتين: حلة الشتاء والقيظ ((1545)).
وقال عمر: لا يترخصن احدكم في البرذعة او الحبل او القتب،
فان ذلك للمسلمين ليس احد منهم الا وله‏فيه نصيب، فان
كان لانسان واحد رآه عظيما، وان كان لجماعة المسلمين
ارتخص فيه وقال: مال‏اللّه ((1546))؟!
ومن قوله في حديث: البلاد بلاد اللّه، وتحمى لنعم مال اللّه،
يحمل عليها في سبيل اللّه ((1547)).
وفي حديث من قوله: المال مال اللّه، والعباد عباد اللّه، واللّه لولا
ما احمل عليه في سبيل اللّه ما حميت من‏الارض شبرا في شبر
. ((1548))
وكان عمر كلما مر بخالد قال: يا خالد اخرج مال اللّه من تحت
استك ((1549)).
وهذا مولانا امير المؤمنين يقول في خطبته الشقشقية
((1550)): «الى ان قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين
نثيله‏ومعتلفه، وقام معه بنو ابيه يخضمون مال اللّه خضمة الابل
نبتة الربيع‏».
وفي خطبة له (ع): «لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف و
[انما] المال مال اللّه؟ الا وان اعطاء المال في غيرحقه تبذير
واسراف‏» ((1551)).
ومن كتاب له الى عامله بذربيجان: «ليس لك ان تفتات في
رعية، ولا تخاطر الا بوثيقة، وفي يديك مال من‏مال اللّه عز
وجل وانت من خزانه‏» ((1552)).
ومن كتاب له الى اهل مصر: «ولكنني آسي ان يلي امر هذه
الامة سفهاؤها وفجارها فيتخذوا مال اللّه دولا،وعباده خولا،
والصالحين حربا، والفاسقين حزبا» ((1553)).
ومن كتاب له الى قثم بن العباس: «وانظر الى ما اجتمع عندك
من مال اللّه فاصرفه الى من قبلك من ذوي‏العيال والمجاعة‏»
. ((1554))
وروي انه (ع) رفع اليه رجلان سرقا من مال اللّه، احدهما عبد
من مال اللّه والاخر من عروض الناس.فقال (ع): «اما هذا فهو
من مال اللّه ولا حد عليه، مال اللّه اكل بعضه بعضا» الحديث.
نهج البلاغة((1555))(2/202).
كما ان التسمية بمال المسلمين ايضا كان مطردا قبل هذا
العهد وبعده، قال عمر ابن الخطاب لعبد اللّه بن‏الارقم: اقسم
بيت مال المسلمين في كل شهر مرة، اقسم مال المسلمين في
كل جمعة مرة. ثم قال: اقسم بيت‏المال في كل يوم مرة. قال:
فقال رجل من القوم: يا امير المؤمنين لو ابقيت في مال
المسلمين بقية تعدهالنائبة. سنن البيهقي (6/357).
وقال عمر في خالد لما اعط‏ى الاشعث بن قيس عشرة آلاف: ان
كان دفعها من ماله فهو سرف، وان كان‏من مال المسلمين
فهي خيانة ((1556)). الغدير (6/274).
وقال مولانا امير المؤمنين (ع) في خطبة له في ذكر اصحاب
الجمل: «فقدموا على‏عاملي بها وخزان بيت‏مال‏المسلمين
وغيرهم من‏اهلها» نهج‏البلاغة ((1557)) (1/320).
وقال لعبد اللّه بن زمعة: ان هذا المال ليس لي ولا لك وانما هو
في‏ء للمسلمين. نهج البلاغة ((1558)) (1/461).
ومن كتاب له الى زياد بن ابيه: «واني اقسم باللّه قسما صادقا
لئن بلغني انك خنت من في‏ء المسلمين‏شيئاصغيرا او كبيرا
لاشدن عليك شدة‏» نهج البلاغة ((1559)) (2/19).
وفي كتاب لعبد الحميد بن عبدالرحمن الى عمر بن
عبدالعزيز: اني قد اخرجت للناس اعطياتهم وقد بقي في‏بيت
المال مال. فكتب اليه: انظر كل من ادان في غير سفه ولا سرف
فاقض عنه. فكتب اليه: اني قد قضيت‏عنهم وبقي في بيت مال
المسلمين مال. فكتب اليه: ان انظر كل بكر ليس له مال فشاء
ان تزوجه [فزوجه]واصدق عنه. فكتب اليه: اني قد زوجت كل
من وجدت وقد بقي في بيت مال المسلمين مال. الاموال
لابي‏عبيد ((1560)) (ص‏251).
ولكل من التسميتين وجه معقول، اما التسمية بمال اللّه فلانه
للّه سبحانه وهو الامر باخراجه ومعين النصب،ومبين الكميات
المخرجة، ومشخص المصارف والمستحقين، واما التسمية
بمال المسلمين فلانهم المصرف‏والمدر له، فلا غضاضة على
ابي ذر لو سماه باي من الاسمين، ولا يعرب اي منهما عن مبدا
سوء.
وما رواه الطبري في تاريخه ((1561)) (5/66) من طريق
عرفناك رجاله في (ص‏326 328) وانه باطل لا يعول‏عليه،
من انه لما ورد ابن السوداء ((1562)) الشام لقي ابا ذر فقال: يا
ابا ذر الا تعجب الى معاوية يقول: المال مال‏اللّه، الا ان كل شي‏ء
للّه، كانه يريد ان يحتجنه دون المسلمين ويمحو اسم
المسلمين. فاتاه ابو ذر فقال: مايدعوك الى ان تسمي مال
المسلمين مال اللّه: قال؟ يرحمك اللّه يا ابا ذر السنا عباد اللّه
والمال ماله والخلق‏خلقه والامر امره؟ قال: فلا تقله. قال: فاني
لا اقول: انه ليس للّه ولكن ساقول: مال المسلمين.
فهذا بعد الغض عن اسناده الباطل ومتنه الركيك وبعد الاغضاء
عن ان مثل ابي ذر الذي هو من اوعية العلم‏وعلب الفضائل
وحملة الراي السديد ليس بالذي يحركه ابن السوداء اليهودي
فيعيره اذنا واعية، ثم يمضي‏لما القاه عليه من التلبيس فيخبط
الجو ويعكر الصفو. فقصارى ما فيه ان ابا ذر وجد معاوية
متذرعابهذه‏التسمية الى الحيف في اموال المسلمين والتقلب
فيها على حسب الميول والشهوات بايهام ان المال مال اللّه،فهو
مباح لعبيده يتصرف كل منهم فيه كيف شاء ويتملك منه ما
شاء كالمباحات الاصلية، فاراد ابو ذر ان‏يدحر حجته الداحضة
ورايه الضئيل بان المال للمسلمين كافة بامر من مالكه الاصلي
جلت آلاؤه، فليس‏لاحد ان يستبد بشي‏ء منه دونهم، ويستغله
بحرمانهم واكتناز الذهب والفضة، وفيهم امس الحاجة
الى‏مقدراتهم.
ويعرب عن راي معاوية ما جرى بينه وبين صعصعة بن صوحان،
رواه المسعودي في مروج الذهب((1563))(2/79) من طريق
ابراهيم بن عقيل البصري، قال: قال معاوية يوما وعنده صعصعة
وكان قدم عليه‏بكتاب علي وعنده وجوه الناس: الارض للّه، وانا
خليفة اللّه، فما آخذ من مال اللّه فهو لي، وما تركت منه‏كان
جائزا لي ، فقال صعصعة:
تمنيك نفسك ما لا يكو
ن جهلا معاوي لا تاثم
فهذا الحوار بين ابي ذر ومعاوية في منتاى عن اثبات المالكية
ونفيها، وليس فيه الى المبدا الاشتراكي‏اي‏طرف رامق، وتعرب
عن راي معاوية خطبة الارحبي المذكورة (ص‏344).
ومن كلمات ابي ذر قوله لمعاوية لم ا بعث اليه بثلاثمائة دينار:
ان كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي‏هذا قبلتها، وان
كانت صلة فلا حاجة لي فيها.
فانك تشهد هاهنا ابا ذر يقسم المال الى العطاء المفترض الذي
منع منه عامه ذلك لامره بالمعروف ونهيه‏عن المنكر والى
المال المملوك الذي يخرج منه الصلة بطوع من صاحبه
ورغبة، فان الصلة من المروءات‏وهي لا تكون الا من خالص مال
الرجل، ومن غير الحقوق الالهية، ومن غير الاموال المسروقة،
فاين هوعن الغاء الملكية الذي هو الحجر الاساسي
للاشتراكيين؟ على انه ليس عندهم صلة ولا غيرها من
حقوق‏الانسانية، وانما هي عندهم اجور على قيم اعمال الرعية.

رواياته في الاموال
واما ما رواه ابو ذر في‏باب الاموال عن رسول اللّه (ص) فينادي
بما لا يلائم الاشتراكية قط، واليك جملة‏منه:
1 «ما من مسلم ينفق من كل مال له زوجين في سبيل اللّه عز
وجل الا استقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه‏الى ما عنده‏». قلت:
وكيف ذلك؟ قال (ص): «ان كانت رجالا فرجلين، وان كانت
ابلا فبعيرين، وان كانت‏بقرا فبقرتين‏».
وفي لفظ: «من انفق زوجين من ماله في سبيل اللّه ابتدرته
حجبة الجنة‏» ((1564)).
ففيه اثبات المال لكل انسان بالرغم من المبدا الاشتراكي،
والترغيب بالتطوع بالانفاق في سبيل اللّه من‏كل‏نوع زوجين.
2 «في الابل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها،
وفي البر صدقته‏».
3 «ما من رجل يموت فيترك غنما او ابلا او بقرا لم يؤد زكاته
الا جاءت يوم القيامة اعظم ما تكون واسمن‏حتى تطاه باظلافها
وتنطحه بقرونها».
وفي لفظ: «ما من صاحب ابل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها الا
جاءت يوم القيامة...» الحديث ((1565)).
فهي تثبت المالية وانه لا فريضة على الانسان في ماله غير
الزكاة، وهي من بعضها، وان الباقي لصاحبه،رضي الاشتراكي او
غضب.
واما ما وقع له مع كعب الاحبار في مشهد عثمان وهو من
عمدة ما تشبث به المتحاملون على ابي ذروقاذقوه مما
اخرجه الطبري باسناده الواهي عن السري الكذاب الوضاع، عن
شعيب المجهول الذي لايعرف، عن سيف بن عمر الوضاع
المتهم بالزندقة الذين عرفت حالهم في صفحة (326 327)
من طريق‏ابن عباس قال: كان ابو ذر يختلف من الربذة الى
المدينة مخافة الاعرابية، وكان يحب الوحدة والخلوة،فدخل
على عثمان وعنده كعب الاحبار، فقال لعثمان: لا ترضوا من
الناس بكف الاذى حتى يبذلوا المعروف،وقد ينبغي لمؤدي
الزكاة ان لا يقتصر عليها حتى يحسن الى الجيران والاخوان
ويصل القرابات. فقال كعب:من ادى الفريضة فقد قضى ما عليه.
فرفع ابو ذر محجنه فضربه فشجه، فاستوهبه عثمان فوهبه له
وقال: ياابا ذر اتق اللّه واكفف يدك ولسانك. وقد كان قال له:
يابن اليهودية ما انت وما هاهنا؟ واللّه لتسمعن مني اولادخل
عليك ((1566)).
ومر (ص‏295) في لفظ المسعودي ((1567)): ان ابا ذر حضر
مجلس عثمان ذات يوم، فقال عثمان: ارايتم من زكى‏ماله هل
فيه حق لغيره؟ فقال كعب: لا يا امير المؤمنين، فدفع ابو ذر
في صدر كعب وقال له: كذبت يابن‏اليهودي ثم تلا: (ليس البر
ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن باللّه
واليوم‏الاخروالملائكة والكتاب والنبيين وآتى آلمال على حبه

ذوي القربى واليتامى والمساكين‏وابن‏السبيل‏والسائ لين وفي
الرقاب واقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم اذا عاهدوا)،
الاية ((1568)).فقال عثمان: اترون باسا ان ناخذ مالا من بيت
مال المسلمين فننفقه فيما ينوبنا من امورنا ونعطيكموه؟
فقال‏كعب: لا باس بذلك. فرفع ابو ذر العصا فدفع بها في صدر
كعب وقال: يابن اليهودي ما اجراك على القول‏في ديننا! فقال
له عثمان: ما اكثر اذاك لي! غيب وجهك عني فقد آذيتني.
فخرج ابو ذر الى الشام ((1569)).
فانما دعا ابو ذر في هذه الواقعة الى العطاء المندوب المدلول
عليه بقوله:
ينبغي الوارد في رواية الطبري، وبالاية الكريمة الواردة في
حديث المسعودي: وهو من واجبات البشرية‏وفروض الانسانية
التي ضيعتها الشيوعية الممقوتة، والاحاديث المرغبة لكل مما
ذكر ابو ذر اكثر من ان‏تحصى.
جاء من طريق فاطمة بنت قيس عن‏رسول‏اللّه(ص) انه قال: «ان
في‏المال حقا سوى‏الزكاة‏» ثم‏قرا:(ليس‏الب‏ر ان تو لوا وجوهكم
قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن باللّه واليوم الاخر).
الاية‏المذكورة. وروى‏بيان‏واسماعيل‏هذا الحديث‏عن‏الشعبي.
اخرجه ((1570)) ابن ابي حاتم، والترمذي، وابن ماجة، وابن
عدي، وابن مردويه، والدارقطني، وابن جرير، وابن‏المنذر.
راجع ((1571)) سنن البيهقي (4/84)، احكام القرآن للجصاص
(1/153)، تفسير القرطبي (2/223)، تفسير ابن‏كثير (1/208)،
شرح سنن ابن ماجة (1/546) تفسير الشوكاني (1/151)، تفسير
الالوسي (2/47).
واخرج البخاري في الصحيح ((1572)) في كتاب الزكاة
(3/29) من طريق انس قال: كان ابو طلحة اكثر
الانصاربالمدينة مالا من نخل، وكان احب امواله اليه بيرحاء
وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول اللّه ((1573))
(ص)يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال انس: فلما انزلت
هذه الاية: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مماتحبون) قام ابو طلحة
الى رسول اللّه (ص) فقال: يا رسول اللّه ان اللّه تبارك وتعالى
يقول: (ل ن تنالواالبرحت ى تنفقوا مما تحبون). وان احب
اموالي الي بيرحاء، وانها صدقة للّه ارجو برها وذخرها عند
اللّه،فضعها يا رسول اللّه حيث اراك اللّه، قال: فقال رسول
اللّه(ص) «بخ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقدسمعت ما قلت
واني ارى ان تجعلها في الاقربين‏»، فقال ابو طلحة: افعل يا
رسول اللّه، فقسمها ابو طلحة في‏اقاربه وبني عمه.
واخرجه ((1574)) مسلم والترمذي وابو داود والنسائي
مختصرا.
واخرج ابو عبيد في الاموال ((1575)) (ص‏358) من طريق
ابن جريج قال: سال المؤمنون رسول اللّه (ص): ماذاينفقون؟
فنزلت: (يسالونك ماذا ينفقون قل ما انفقتم
من خير فللوالدين والاقربين واليتامى والمساكين وابن
السبيل) ((1576)). قال: فتلك التطوع والزكاة سوى‏ذلك.
وقال ابو عبيد في الاموال ((1577)) (ص‏358): ان هذا مذهب
((1578))
ابن عمر وابي هريرة، واصحاب رسول اللّهاعلم بتاويل
القرآن واولى بالاتباع، و[هو] ((1579)) مذهب طاووس،
والشعبي ان في المال حقوقا سوى الزكاة‏مثل بر الوالدين،
وصلة الرحم، وقرى الضيف، مع ما جاء في المواشي من الحقوق.
وفي الاموال ((1580)) (ص‏357) من طريق ابي حمزة قال:
قلت للشعبي: اذا اديت زكاة مالي ايطيب لي مالي؟قال: فقرا
علي هذه الاية: (ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق
والمغرب ولكن البر من آمن باللّهواليوم‏الاخ ر) الى آخر الاية
المذكورة.
فنداء ابي ذر في موقفه هذا نداء القرآن الكريم ونداء المشرع
الاعظم ونداء تابعيهما من الصحابة والتابعين،ولا يرد ذلك الا
مثل كعب الاحبار الذي هو حديث عهد باليهودية، وقد اعتنق
الاسلام امس، على حين‏انه لم يسلم طيلة عهد النبوة وانما
سالم على عهد عمر، ولا ادري هل حدته الى ذلك الحقيقة؟ او
الفرق من‏بطش المسلمين وشوكتهم؟ او الطمع في العطاء
الجاري؟ ولا ادري ايضا انه في مدة اسلامه القصيرة هل‏احاط
خبرا بنواميس الاسلام وفروضه وسننه او لا؟ ولا احسب، كما
اوعز اليه ابو ذر الناظر اليه من كثب،حيث قال له: يابن
اليهودية ما انت وما هاهنا؟ وكان من حقه ان يؤدب بالمحجن
كما فعله سيد غفار ساءالخليفة ام سره لانه لم يكن اهلا
للفتيا، فافتى تجاه عالم من علماء الصحابة الذي مل‏ء اهابه
العلم بالكتاب‏والسنة، وحشو ردائه الفروض والسنن، ولا يفرغ
الا عن رسول اللّه (ص): «ما اظلت الخضراء وما اقلت‏الغبراء من
ذي لهجة اصدق واوفى من ابي ذر».
(الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين
لا يجدون الا جهدهم فيسخرون منهم سخراللّهمنه‏م ولهم
عذاب اليم) ((1581)).
واثبات العطاء مندوبا ومفترضا فرع اثبات المالية للاشخاص، ولا
تتفق معه الشيوعية بحال، واين يقع ابوذر منها؟
4 «ثلاثة يبغضهم اللّه: الشيخ الزاني، والفقير المختال، والغني
الظلوم‏».
وفي لفظ: «ان اللّه يبغض الشيخ الزاني، والفقير المختال،
والمكثر البخيل‏».
وفي لفظ: «ان اللّه لا يحب كل مختال فخور، والبخيل المنان،
والتاجر الحلاف‏» ((1582)).
في هذه الروايات ذكر اختلاف طبقات الناس وحدودهم بما
يملكون، ففقير وغني، ومكثر وتاجر تتقوم‏تجارته براس ماله،
والاشتراكي يرى ان الناس شرع سواء بالنسبة الى الاموال.
5 قلت: يا رسول اللّه ذهب الاغنياء بالاجر يصلون ويصومون
ويحجون.
قال: «وانتم تصلون‏وتصومون‏وتحجون‏». قلت: يتصدقون ولا
نتصدق.قال: «وانت فيك صدقة: رفعك العظم‏عن الطريق
صدقة، وهدايتك الطريق صدقة، وعونك الضعيف بفضل قوتك
صدقة، وبيانك عن‏الارتم((1583))صدقة، ومباضعتك‏امراتك
صدقة‏» قال: قلت: يا رسول اللّه ناتي شهوتنا ونؤجر؟ قال: «ارايت
لو جعلته‏في حرام اكان تاثم؟». قال: قلت: نعم. قال:
«فتحتسبون بالشر، ولا تحتسبون بالخير؟».
وفي لفظ: قالوا: يا رسول اللّه ذهب اهل الدثور بالاجور، يصلون
كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون‏بفضول اموالهم،
قال: فقال رسول اللّه: «او ليس قد جعل اللّه لكم ما تصدقون؟ ان
بكل تسبيحة صدقة‏وبكل تحميدة صدقة‏». الحديث.
وفي لفظ: قيل للنبي (ص): ذهب اهل الاموال بالاجر. فقال
النبي (ص): «ان فيك صدقة كثيرة فاذكر فضل‏سمعك وفضل
بصرك‏». الحديث.
وفي لفظ: «على كل نفس في كل يوم طلعت فيه الشمس
صدقة عنه على نفسه‏». قلت يا رسول اللّه: من اين‏اتصدق وليس
لنا اموال؟ قال: «لان من ابواب الصدقة: التكبير، وسبحان اللّه،
والحمد للّه، ولا اله الا اللّه،واستغفر اللّه، وتامر بالمعروف وتنهى
عن المنكر، وتعزل الشوكة عن طريق الناس والعظم والحجر،
وتهدي‏الاعمى، وتسمع الاصم والابكم حتى يفقه، وتدل
المستدل على حاجة له وقد علمت مكانها، وتسعى‏بشدة
ساقيك الى اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع
الضعيف، كل ذلك من ابواب الصدقة منك‏على نفسك‏»
. ((1584))
وفي هذه الاحاديث تقرير الاغنياء واهل الدثور والاموال على
احوالهم المنوطة بالوفر المخصوص بهم‏واليسار الممنوح لهم
وانه ليس منهم، وذكر الصدقة من فضول اموال المثرين،
والتاسف على ما يفوت‏الفقراء من صدقاتهم بالاموال فرضا
وتطوعا، واين يثبت الاشتراكي مالا لاحد فيثبت له فضولا؟
ومتى‏يرى في العالم غنيا غير غاصب؟ وانى يبقي موضوعا
للصلات والصدقات وفروض الانسانية؟ لكن روايات‏ابي ذر
تثبت كل ذلك.
6 امرني خليلي (ص) بسبع: امرني بحب المساكين والدنو
منهم، وامرني ان انظر الى من هو دوني ولا انظرالى من هو
فوقي.
وفي لفظ: اوصاني حبي بخمس: ارحم المساكين واجالسهم،
وانظر الى من هو تحتي ولا انظر الى من هوفوقي ((1585))... .
ومما لا غبار عليه ان المراد من الدون والتحت في الحديثين:
من هو دونه في المال ليشكر اللّه سبحانه على‏تفضيله عليهم،
ولا ينظر الى من فوقه لئلا يشغله الاستياء او الحسد على
تفضيل غيره عليه عن الذكروالشكر والنشاط في العبادة، واما
الاعمال والطاعات والملكات الفاضلة، فينبغي للانسان ان
ينظر الى من‏هو فوقه فيها ليتنشط على مثل عمله فيتحرى
شاوه، ولا ينظر الى من هو دونه فيفتر عن العمل ويقعد
عن‏اكتساب الفضائل والفواضل، وربما داخله العجب.
ففي الحديثين اثبات المالية والتفاضل فيها بالرغم من المبدا
الشيوعي.
7 ليس من فرس عربي الا يؤذن له مع كل فجر يدعو
بدعوتين يقول: اللهم خولتني من خولتني من بني‏آدم،
فاجعلني من احب اهله وماله اليه. او: احب اهله وماله اليه
. ((1586))
نحن لا نحتج هنا بدعوة الفرس ورايه، لكن بما اخبر رسول اللّه
(ص) من الهام اللّه سبحانه اياه انه يدعوبتلك الدعوة وفيها
اثبات التحويل والمالية وان ازور عنهما الشيوعي.
هذه جملة من روايات ابي ذر الصدوق المصدق تضاد بنصها ما
اتهم به من المبدا الممقوت، وان هي الا نداءالقرآن الكريم وما
صدع به الرسول الامين.
(الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه اولئك
الذين هداهم اللّه واولئك هم اولوا الالباب) ((1587))
(فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة
وابتغاء تاويله) ((1588))

نظرة في الكلمات الواردة في اطراء ابي ذر
هل تلائم ما اتهم به؟
اما ثناء الصحابة عليه بعد نفيه ودابه على ما هتف به فحسبك
من ذلك قول مولانا امير المؤمنين (ع): «انك‏غضبت للّه فارج
من غضبت له، ان القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على
دينك‏» الى آخر ما مر في صفحة(ص‏300).
صدرت هذه الكلمة الذهبية من الامام (ع) في منصرم ما صعد
به ابو ذر وصوب، فليس له بعد هذاالاطفائف سمعها منه من
زاره بالمنفى الربذة فلم يكن لها شان كبير، وفي الكلمة
صراحة بان غضب ابي‏ذر كان للّه فعليه ان يرجو من غضب له،
وهو فرع رضا اللّه سبحانه على ماناء به ودعا اليه، وان ما لهج
به‏مما اغضب القوم كانت كلمة دينية محضة تجاه الدنيوية
المحضة التي خافها ابو ذر على دينه وخافها القوم على‏دنياهم،
فامتحنوه بالقلى ونفوه الى الفلا، وانه هو الرابح غدا، وانما القوم
حاسدوه، واي من هذه تلتئم مع‏الشيوعية التي هي مادية
محضة ليس بينها وبين مرضاة اللّه تعالى اي صلة؟
اتحسب ان مولانا امير المؤمنين (ع) اطرى ابا ذر بهذا الاطراء
البالغ ويقول في كلمته الاخرى لعثمان: «اتق‏اللّه سيرت رجلا
صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك‏»، فيراه صالحا ويرى
هلاكه في ذلك التسيير حوبالايصدر من المتقي، انه اطراه وهو
غير مستشف لنظريته؟ ولا عارف بنفسيته وهو كروحه التي
بين جنبيه؟ اوانه يوافقه على المذهب الشيوعي؟ او انه يراغم
اعداءه مع حيطته بباطله؟ وقد قال لعثمان وهو
الصادق‏الامين : واللّه ما اردت مساءتك ولا الخلاف عليك
ولكن اردت به قضاء حقه. واي حق‏للشيوعي متحري‏الفساد في
الجامعة وباخس حقوق الامة؟ وانما الحق للمؤمن الكامل في
نفسه، المحق‏في دعائه، الصالح في‏رايه.
وهناك ما هو اصرح من ذلك في كون ابي ذر محق ا وان نظرية
من خالفه من الباطل المحض، وهو قول‏الامام في ذيل كلمته
في توديع‏ابي ذر: «يا ابا ذر لا يؤنسنك الا الحق، ولا يوحشنك الا
الباطل‏».واي‏اشتراكي يكون هكذا؟ نعوذ باللّه من السفاسف.
اضف الى كلمة الامام قول ولده الامام الزكي السبط المجتبى
ابي محمد الحسن لابي ذر: «قد اتى من القوم‏اليك ما ترى فضع
عنك الدنيا بتذكر فراغها، واصبر حتى تلقى نبيك وهو عنك
راض‏». راجع (ص‏301).
فترى الامام المعصوم يتذمر مما اصاب ابا ذر من القوم، ويامره
بالصبر المقابل بالاجر الجزيل، وانه سيلقى‏رسول اللّه (ص) وهو
عنه راض، وهل تجد توفيقا بين [رضا] ((1589)) الرسول
ومعتقد الامام المجتبى وبين‏الشيوعية؟ ذلك المعول الهدام
لاساس دين المصطفى وسنة اللّه التي لن تجد لها تحويلا.
واشفع الكلمتين بقول الامام السبط الشهيد ابي عبداللّه لابي
ذر: «قد منعك القوم دنياهم ومنعتهم دينك،فاسال اللّه الصبر
والنصر».
وهذه الكلمة لدة كلمات ابيه واخيه صلوات اللّه عليهم في
المصارحة بان دعوة ابي ذر كانت دينية ولم‏يكن فيها اي
شذوذ، ودعوة مناوئيه دنيوية، والمرجع في الافراج عنه ازاء ما
انتابه من المحن هو اللّه، لرضاه‏سبحانه بدعوة المنكوب
وسخطه على من نال منه، ولا يحسب عاقل ان شيئا من ذلك
يلتئم مع الاشتراكية‏الممقوتة.
وبعد تلكم الكلمات الذهبية خطاب عمار بن ياسر ابا ذر بقوله:
لا آنس اللّه من اوحشك ولا آمن من‏اخافك، واللّه لو اردت
دنياهم لامنوك، ولو رضيت اعمالهم لاحبوك.
ايجوز لمسلم عادي فضلا عن مثل عمار الذي لا يفارق الحق
ولا يفارقه نصا من النبي الكريم ان يدعو على‏اناس نكبوا بعائث
في المجتمع الديني مقلق فيهم السلام بذلك الدعاء المجهد؟
ويحكم عليهم بانهم اهل دنياغرتهم الاماني، وان اعمالهم غير
مرضية، وانهم خسروا الدنيا والاخرة ذلك هو الخسران المبين؟
يدعو عليهم بذلك في مشهد امام معصوم خشن في ذات اللّه
كمولانا امير المؤمنين وشبليه السبطين الحسنين‏ثم لا ينكر
ذلك عليه احد منهم. ان هذا لا يكون.
وان مشايعة القوم لابي ذر قبل هذه الكلمات كلها مع العلم
بنهي الخليفة عنها اشادة بامره، وتصديق لمقاله،والامام يرى
ان النهي عن مشايعته معصية او انه خلاف الحق لا يتبع كما
قاله لعثمان ((1590)) ولا يجتمع شي‏ء من‏ذلك مع ما قذفوه به
من الطامة الكبرى.
كانت الصحابة كلهم المهاجرون منهم والانصار ينقمون ما نيل
به ابو ذر من النفي والتعذيب، وكان قيل‏النقمة بين شفاههم،
وفي طيات قلوبهم، واسطر خطاباتهم، يوم التجمهر ويوم الدار،
وكانت احدى العلل‏المعدة لما جرى هنالك من مغبات الاعمال
، فلم تكن الغضبة عمن ذكرنا اسماءهم بدعا من
جمهرة‏الاصحاب، غير ان منهم من صبها في بوتقة الاطراء لابي
ذر، ومنهم من افرغها في قالب العيب على من نال‏منه، ولهم
هنالك لهجات مختلفة في الصورة متحدة في المل، ولذلك
عد المؤرخون مما انكر الصحابة من‏سيرة عثمان تسييره ابا ذر.
وقال البلاذري: قد كانت من عثمان قبل هنات الى عبد اللّه بن
مسعود وابي ذروعمار، فكان في قلوب هذيل وبني زهرة وبني
غفار واحلافها من غضب لابي ذر ((1591)) .
وهذه النقمة العامة المنبعثة عن مودة القوم لابي ذر مودة
خالصة دينية واخاء في الايمان وولاء في الطريقة‏المثلى. كل
ذلك اخذا بما وعوه عن رسول اللّه (ص) في ابي ذر وهديه
وسمته ونسكه وتقواه وايمانه وصدقه لاتلتئم مع شي‏ء مما
قذفوا به ابا ذر من الشيوعية، او تقول: ان الصحابة كلهم
شيوعيون؟ اعوذ باللّه من الفرية‏الشائنة. ولو كان ابو ذر شيوعيا
كان في الحق نفيه عن اديم الارض لا عن المدينة فحسب،
وكان من واجب‏الصحابة ان يرضوا بذلك الحكم البات. قال اللّه
تعالى: (انما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله‏ويسعون في‏الارض
فسادا ان ى قتلوا او يصلبوا
او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف او ينفوا من الارض ذلك
لهم خزي في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب‏عظيم) ((1592))
واي فساد في الارض اعظم من هذا المبدا التعيس المضاد
للكتاب والسنة؟ وفي الكتاب الكريم‏قوله سبحانه: (اهم
يقسمون رحمة ربك نحن
قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق
بعض درجات ليتخذ
بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون)
((1593))
((1593)). واما السنة الشريفة فحدث عنها في باب
الاموال‏والاختصاص فيها وتقرير ميسرة الاغنياء ولا حرج.
وبذلك كله تقوم دعائم المدنية، وتشاد علالي‏الحضارة الراقية.

ثناء النبي (ص) عليه وعهده اليه
اما ما اثر عن نبي الاسلام من ذلك فقد قدمنا شطرا منه في
صفحة (312 319) ولا منتدح من ان نقول: ان‏نبي العظمة
كان جد عليم بواسع علم النبوة بما سوف ينوء به ابو ذر في
خواتيم ايامه باقوال واعمال تبهظ‏مناوئيه، وكان يعلم ايضا ان
امته سيتخذون كل ما لهج به اصولا متبعة. فلو كان يعلم في
ابي ذر شذوذا لمااغرى الامة بموافقته بتلكم الكلم الدرية، على
انه (ص) عهد اليه واخبره ان ما يصيبه من الكوارث من‏جراء ما
يدعو اليه في اللّه وبعينه، فلا يعقل ان يكون في رايه شذوذ عن
طريقة الدين، بل كان من واجبه(ص) ان ينبهه على خطئه في
الراي وغلطه في الدعوة، فاذ لم يفعل واشفع ذلك بثنائه البالغ
عليه وعهده اليه‏علمنا ان ابا ذر هو ذلك البر التقي، ورجل
الاصلاح، ومثال العطف والحنو على ضعفاء الامة، وطالب
الخيروالسعادة لاقويائها، ولقد تحمل الشدائد لينقذ المكبين
على الدنيا من مغبة العمل السيئ، وليسعد آخرين‏برغد العيش
وبلهنية الحياة، موصولة حلقات حياتهم الدنيا بدرجات الاخرة
العليا، لكن جهلوه وجهلواامره وجهلوا حقه، واضاعوه واي فتى
اضاعوا؟ واضاعوا فيه وصية نبيه (ص) وناواه قوم ليسوا له‏باكفاء.
ولو اني بليت بهاشمي
خؤولته بنو عبد المدان
لهان علي ما القى ولكن
تعالوا وانظروا بمن ابتلاني
(فايدنا الذين آمنوا على عدوهم فاصبحوا ظاهرين) ((1594))

نظرة في مقال اصدرته لجنة الفتوى بالازهر
جاء في جريدة الوقت المصرية العدد الثاني لسنتها الاولى
الموافقة سنة (1367) ما نصه:
لجنة الفتوى بالازهر تقول: لا شيوعية في الاسلام.
عن الاهرام الغراء
كانت وزارة الداخلية قد احالت الى فضيلة الاستاذ الاكبر شيخ
الجامع الازهر كتابا تناول فيه مؤلفه‏مذهب العالم الصحابي ابي
ذر الغفاري غفر اللّه له، وخلص من بحثه الى القول بوجود
الشيوعية في الاسلام،وذلك لكي تعرف الوزارة راي الدين في
ذلك، وما اذا كان هذا الكتاب يمكن تداوله. وقد احال
فضيلة‏الاستاذ الاكبر هذا الموضوع الى لجنة الفتوى في الازهر،
فاجتمعت برئاسة فضيلة الاستاذ الشيخ عبدالمجيد سليم
المفتي السابق ورئيس هذه اللجنة، وبحثت موضوع الكتاب
بحثا مستفيضا، ثم اصدرت فيه‏فتواها وقد تلقت وزارة الداخلية
هذه الفتوى من فضيلة الاستاذ الاكبر. وهذا نصها بعد الديباجة:

لا شيوعية في الاسلام
ان من مبادئ الدين الاسلامي احترام الملكية، وان لكل امرى
ان يتخذ من الوسائل والسبل المشروعة‏لاكتساب المال
وتنميته ما يحبه ويستطيعه ويتملك بهذه السبل ما يشاء، هذا
وقد ذهب جمهور من الصحابة‏وغيرهم من الفقهاء المجتهدين
الى انه لا يجب في مال الاغنياء الا ما اوجبه اللّه من الزكاة
والخراج والنفقات‏الواجبة بسبب الزوجية او القرابة، وما يكون
لعوارض موقتة واسباب خاصة كاغاثة ملهوف واطعام
جائع‏مضطر، وكالكفارات وما يتخذ من العدة للدفاع عن
الاوطان وحفظ النظام اذا كان ما في بيت مال‏المسلمين لا
يكفي لهذا، ولسائر المصالح العامة المشروعة كما هو مفصل في
كتب التفسير وشروح السنة‏وكتب الفقه الاسلامي. هذا هو
الواجب. غير ان الاسلام يدعو كل قادر من المسلمين ان يتطوع
بما شاء من‏ماله يصرفه في وجوه البر والخير مع عدم الاسراف
والتبذير في ذلك كما قال اللّه تعالى:
(ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط
فتقعد ملوما محسورا) ((1595)) وكما قال عز وجل في‏وصف
عباده الذين اثنى عليهم: (والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم
يقتروا وكان بين ذلك قواما) ((1596)) وكما تدل‏عليه السنة
في احاديث كثيرة. وذهب ابو ذر الغفاري (رضي اللّه عنه) الى
انه يجب على كل شخص ان يدفع‏ما فضل عن حاجته من مال
مجموع عنده في سبيل اللّه اي في سبيل البر والخير، وانه
يحرم ادخار ما زادعن حاجته ونفقته ونفقة عياله.
هذا هو مذهب ابي ذر ولا يعلم ان احدا من الصحابة وافقه عليه.
وقد تكفل كثير من علماء المسلمين‏بردمذهبه وتصويب ما
ذهب اليه جمهور الصحابة والتابعين بما لا مجال للشك معه
في ان ابا ذر (رضي اللّهعنه) مخطئ في هذا الراي. والحق ان
هذا مذهب غريب من صحابي جليل كابي ذر، وذلك لبعده عن
مبادئ‏الاسلام وعما هو الحق الظاهر الواضح، ولذلك استنكره
الناس في زمنه واستغربوه منه.
قال الالوسي في تفسيره ((1597)) بعدما بين مذهبه ما نصه:
وكثر المعترضون على ابي ذر في دعواه تلك، وكان‏الناس
يقراون له آية المواريث ويقولون: لو وجب انفاق كل المال لم
يكن للاية وجه. وكانوا يجتمعون عليه‏مزدحمين حيث حل
مستغربين منه ذلك. انتهى.
ومن هذا يتبين ان هذا الراي خطا وصاحبه مجتهد مخطئ
مغفور له خطؤه بل ماجور على اجتهاده، ولكنه لايتابع فيما
اخطا فيه بعد تبيين انه خطا لا يتفق هو وما يدل عليه كتاب
اللّه وسنة رسوله وقواعد الدين‏الاسلامي.
ولما كان مذهبه داعيا الى الاخلال بالنظام والفتنة بين الناس
طلب معاوية والي الشام من الخليفة عثمان(رضي اللّه عنه) ان
يستدعيه الى المدينة وكان ابو ذر وقتئذ في الشام‏ فاستدعاه
الخليفة، فاخذ ابو ذريقرر مذهبه ويفتي به ويذيعه بين الناس،
فطلب منه عثمان ان يقيم بجهة بعيدة عن الناس، فاقام
بالربذة آمكان بين مكة والمدينة.
وقال ابن كثير في تفسيره ((1598)): كان من مذهب ابي ذر
(رضي اللّه عنه) تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال.وكان
يفتي بذلك ويحثهم عليه ويامرهم به ويغلظ في خلافه، فنهاه
معاوية فلم ينته، فخشي ان يضر بالناس‏في هذا فكتب يشكوه
الى عثمان وان ياخذه اليه، فاستقدمه عثمان الى المدينة
وانزله بالربذة وحده، وبها مات(رضي اللّه عنه) في خلافة
عثمان.
وجاء في فتح الباري ((1599)) للحافظ ابن حجر ما خلاصته:
ان دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ولذلك‏امر عثمان
ابا ذر ان يقيم بالربذة مع ان في بقائه بالمدينة مصلحة كبيرة
لطالبي العلم لما في بقائه بالمدينة من‏مفسدة تترتب على نشر
مذهبه.
ومما ذكرنا يتبين ان ما في هذا الكتاب الشيوعية في الاسلام
لا يتفق هو ومبادئ الاسلام وقواعده. كمايتبين انه لا شيوعية
في الاسلام بالمعنى الذي يفهمه الناس، والذي صرح به صاحب
هذا الكتاب وسماه‏شيوعية الاسلام، ومن اجل هذا نرى الا يذاع
مثل هذا الكتاب بين الناس لئلا يتخذها المفسدون في‏الارض
الهدامون للنظم الصالحة ذريعة للاخلال بالنظام وافساد عقول
ضعفاء الايمان والجاهلين بمبادئ‏الاسلام.
قال الاميني: ان وزارة الداخلية او شيخ الازهر لو احال كل
منهما النظر في هذه المهمة الى لجنة عارفة بحال‏ابي ذر،
واقفة على مقاله، مطلعة على كتب الحديث والسير والتفاسير،
بصيرة بما فيها من الغث والسمين‏خالية عن الاغراض، بعيدة
عن النعرات الطائفية، لحكمت بما هو الحق الصراح، وعرفت ان
ما دعا اليه ابوذر لم يكن خارجا عما سردته هي في مفتتح
مقالها من اعتبار المالكية لكل انسان، وما يجب عليه انفاقه
من‏المال، وما يتطوع به الرجل من النفقات، وقد اوقفناك قبل
هذا على كل ذلك، وان هياجه لم يكن موجهاالاالى اناس
معلومين كانوا يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقون منها في
سبيل اللّه، ويحرمون الامة من‏منافعها المفروضة لها فضلا عن
المندوب اليها والمرغب فيها. وبذلك كله تعرف ان ما عزت اليه
اللجنة‏الحاكمة من غير بصيرة من وجوب انفاق ما فضل من
المال على حاجة الانسان ونفقته ونفقة عياله‏زور من القول،
وفند ((1600)) من الراي، وليتها اشارت الى مصدر ما ادعته
من مذهب ابي ذر الذي حسبته‏مخالفا لجمهور الصحابة
والتابعين، وقد اسلفنا لك جملة مما اثر عنه في ذلك، وليس
في شي‏ء منه اي دلالة‏على ما ادعته من العزو المختلق، وليتها
بينت العلماء الذين تصدوا لنقض مذهب ابي ذر، واشارت الى
ماجاءوا به في تدعيم حجتهم، ولعلها ارادت بهم المؤرخ محمد
الخضري، واحمد امين، وصادق ابراهيم‏عرجون، وعمر ابي نصر،
ومحمد احمد جاد المولى بك، وعبد الحميد بك العبادي،
وامثالهم من المحدثين‏المتسرعين الذين منيت بهم البلاد
والعباد.
واسلفنا لك ايضا قول عظماء الصحابة في ابي ذر وموافقتهم له
على حقيقة رايه، واستيائهم لما نكب به من‏جراء ذلك، واجماع
صلحائهم على ان ما جاء به كان رايا صحيحا دينيا محضا
مستفادا من الكتاب‏والسنة.
وعجيب استغرابها مذهب ابي ذر وهي لا تعرفه، واعجب منه
اعتذارها له ببعده عن مبادئ الاسلام وعماهو الحق الظاهر
الواضح مع قولها باجتهاد ابي ذر، اي اجتهاد هذا من عيلم اخذ
المبادئ من مشرعها يبعدحامله عن مبادئ الاسلام وعما هو
الحق الظاهر الواضح؟ نعم، كم وكم عند القوم من المجتهدين
البعيدة‏آراؤهم عن مبادئ الاسلام كابن ملجم قاتل الامام امير
المؤمنين، وابي الغادية قاتل عمار، وابني هندوالنابغة قائدي
الفئة الباغية، وامثالهم ((1601)) لكن شتان بين هؤلاء وسيد
غفار!
او ليس مما يضحك الثكلى ويبكي كل مسلم ان يحسب ان
مذهب ابي ذر بعيد عن مبادئ الاسلام وعما هوالحق الظاهر
الواضح؟ وهو الذي لم يعبد الصنم قبل اسلامه وصلى سنين
قبل المبعث الشريف مولياوجهه‏الى اللّه وهو محسن، وهو ربع
الاسلام ورابع المسلمين، وقد طوى جل سنيه على عهد النبوة
في صحبة‏الرسول الاعظم ولم يفتا متعلما منه، مصيخا الى كل
ما يدعو اليه ويهتف به، فتنتقش كل تلكم المثل العليا في‏نفسه
كما تنتقش الصور في المرآة الصافية، بل تثبت فيها كما تثبت
في العدسة اللاقطة.
كان (ص) يدنيه دون الصحابة اذا حضر ويتفقده اذا غاب، وكان
شحيحا على دينه حريصا على العلم، وقدسال رسول اللّه (ص)
عن كل شي‏ء حتى عن مس الحصى في الصلاة، وقد صب (ص)
في صدره ما صبه‏جبريل وميكائيل في صدره(ص)، وعرفه
(ص) لامته بانه شبيه عيسى هديا وسمتا ونسكا
وبراوصدقاوخلقا وخلقا ((1602)).
وما ظنك برجل قال فيه باب مدينة علم النبي مولانا امير
المؤمنين (ع) لما سئل عنه: «وعاء ملئ علماثم‏اوكى((1603))
عليه‏» ((1604)).
او ليس من العجب العجاب ان من هو هكذا وهو في عهد النبوة
لم يزل في مدينة الرسول يتلقى منه (ص)كل افاضاته، ويستقي
من مستقى الوحي يكون مذهبه بعيدا عن مبادئ الاسلام وعما
هو الحق الواضح،ويكون راي كعب الاحبار اليهودي حديث
العهد بالاسلام او من بعده بعد لاي من عمر الدهر وقد
نمى‏وترعرع وشب وشاب في عاصمة الفراعنة يوم غشيت
الحقائق ظلمات بعضها فوق بعض قريبا منها،ويكون صاحبه
عارفا بها حاكما على مثل ابي ذر بما حكم؟! كان الحقائق
الاسلامية نصب عينه دون سيدغفار، او معلقة على شحمة اذنه
يسمع رنتها دون ذلك الصحابي العظيم!
هب انا تنازلنا للجنة الحاكمة عن كل ما قلناه، ولكن هل يسعنا
التغاضي عما جاء به الحفاظ وائمة الحديث‏من طرق صحيحة
عن نبي الاسلام (ص) في اطراء الرجل والثناء عليه واكباره
وتقرير هديه وهداه مع عدم‏استثناء شي‏ء من اطواره في اولياته
او اخرياته؟ وهو العارف بعلم النبوة بكل ما ينهض به ابو ذر
بعده، فهلابدر(ص) الى ردعه عما سينوء به بدل امره اياه
بالصبر على ما ينتابه من جراء ما قام به ودعا اليه؟ بدل‏عده ما
اصابه من المحن مما هو للّه وفيه؟ بدل اخباره بكل ما يجري
عليه من النفي والجلاء مقصورا على ذلك‏من غير ردع؟
ونسائل اللجنة الحاكمة عن الذين استنكروا مذهب ابي ذر
واستغربوه منه من الصحابة اهم من علية‏الصحابة او من
اذنابها؟ وبطبع الحال انها ستجيبنا انهم الحكم ابن ابي العاص،
واخوه الحارث بن الحكم،ومروان بن الحكم، والوليدين عقبة،
ومعاوية بن ابي سفيان، وسعيد بن العاص، وعبداللّه بن خالد،
وعبداللّهبن سعد بن ابي سرح، وان شئت قلت حثالة من بني
امية البعداء عن مبادئ الاسلام وعما هو الحق‏الواضح،ومن حذا
حذوهم في الاكباب على حطام الدنيا واكتناز المال من غير
حله ممن اقلقوا السلام، وجرواالويلات الى خليفة الوقت،
وحرموا ضعفاء الامة عن حقوقهم، وولغوا في الدماء المحرمة
واثاروها حروبادامية، والقحوها فتنة شعواء، فلم تزل عداء
محتدما تتلقاها الاجيال من بعدهم حتى انتهت الى
عصرناالحاضر، وهو الذي حفز اللجنة الحاكمة على رميها القول
على عواهنه، ولكن صافق ابا ذر على رايه‏الصحيح الموافق
لمبادئ الدين الامام ابو السبطين وشبلاه الامامان وصلحاء
الامة كلهم ومن استاء لنكبات‏ابي ذر ونقم بها على خليفة
الوقت.

حن قدح ليس منها ((1605))
لقد جرا تقحم هذه اللجنة الجائرة في حكمها جبران ملكون
الصحافي النصراني صاحب جريدة الاخبارالعراقية في سنتها
العاشرة (1368ه) في عددها المتسلسل (2503) الصادر في
جمادى الاولى، فطفق يرقص‏لما هنالك من مكاء وتصدية،
والمسكين لا يعرف مبادئ الاسلام ولو عرفها لاتبعها، ولا مبالغ
رجالات‏المسلمين ولو عرفهم لنزههم وذب عنهم، لكنه حسب
ما لفقوه حقيقة راهنة وصبها في بوتقة من القول هواربى في
افادة ما حاولوه، غير انه يطفو عليه القوارص واللواذع قال:
لكن ابا ذر الغفاري يعتقد انه يتعين على كل فرد ان ينفق في
سبيل اللّه كل ما يفيض عن حاجته وحاجة‏اسرته، ولكن لم
يعرف ان احدا من الصحابة شاطره هذا الراي، وانما عارض
الكثير من عقلاء المسلمين‏وحكمائهم في هذا المبدا، فلا شك
اذن في ان ابا ذر كان مخطئا في رايه، ولا ينبغي اتباعه بعد ان
ثبت انه‏خطا، وان رايه لا يتفق مع القرآن ولا السنة ولا المبادئ
الاسلامية وتعاليمها. انتهى.
ونحن هاهنا لا نعاتبه ولا نستعتبه، اما الاول فان الرجل كما
قلناه بعيد عن كل ما يجب ان يقرب منه في‏امثال هذه
المباحث حتى يتسنى له الحكم البات فيها، وانما احسن ظنه
باولئك المتقولين زاعما انهم هم‏الاقرباء من المبادئ الاسلامية
العرفاء بحقيقة ما حكموا به، ولو كان الامر كما زعم لكان الحق
معهم، وان‏كان لنا ان نؤاخذه بان مرحلة حسن الظن لا يكتفى
بها في باب القضاء الحاسم على عظيم من عظماء الامة،فكان
من واجبه ان يستفرغ وسعه في تحقيق تلكم المزاعم وهو في
عاصمة من عواصم الاسلام بغداد آوبمطلع الاكمة منه
عاصمة الدنيا في العلم والدين النجف الاشرف وفيها العلماء،
والمؤلفون، والمحققون،والجهابذة، وعباقرة الوقت في كل
جيل، فكان من السهل عليه ان يستحفي الخبر هنالك او هاهنا،
ولهذالسنا نستعتبه لخروجه عن الطريقة المثلى في القضاء،
ونحن نعد هذه وامثالها سيئة من سيئات اللجنة الحاكمة‏وهي
المؤاخذة بها. وكاني بها وهي تحسب انها تحسن صنعا، وتبتهج
بما نشرته من الحكم الساقط وقذف‏عظيم من عظماء الامة بما
تبرا منه ساقة المسلمين، وتراه دفاعا عن بيضة الاسلام
المقدس،وكفاحاللشيوعية الهدامة، وردما لثلمة اتت على
الدين من ذلك المبدا التعس، وكانها جاءت بقرني
حمار((1606)) لما استشهدت على ما ارتاته باقاويل اناس زور
عن مواقف الحق والصدق.