20 غانمة بنت غانم وعمرو

20 غانمة بنت غانم وعمرو

بلغ غانمة بنت غانم سب معاوية وعمرو بن العاص بني هاشم وهي بمكة، فقالت: يا معشر قريش واللّه ما معاوية باميرالمؤمنين، ولا هو كما يزعم، هو واللّه شانى‏ء رسول اللّه(ص)، اني آتية معاوية وقائلة له بما يعرق منه جبينه، ويكثر منه‏عويله. فكتب عامل معاوية اليه بذلك، فلما بلغه ان غانمة قد قربت منه، امر بدار ضيافة فنظفت، والقي فيها فرش، فلما قربت من ‏المدينة استقبلها يزيد في حشمه ومماليكه، فلما دخلت المدينة اتت دار اخيها عمرو بن غانم، فقال لها يزيد: ان ابا عبدالرحمن يامرك ان تصيري الى دار ضيافته، وكانت لا تعرفه.

فقالت: من انت كلاك اللّه؟ قال: يزيد بن معاوية. قالت: فلا رعاك اللّه يا ناقص لست بزائد. فتمعر لون يزيد، فاتى اباه‏فاخبره، فقال: هي اسن قريش واعظمهم. فقال يزيد: كم تعد لها يا امير المؤمنين؟ قال: كانت تعد على عهد رسول‏اللّه(ص) اربعمائة عام، وهي من بقية الكرام. فلما كان من الغد، اتاها معاوية فسلم عليها. فقالت: على المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان. ثم قالت: من منكم ابن‏ العاص ((2-677))؟ قال عمرو: ها اناذا. فقالت: وانت تسب قريشا وبني هاشم؟ وانت اهل السب، وفيك السب، واليك يعودالسب، يا عمرو اني واللّه لعارفة بعيوبك وعيوب امك، واني اذكر لك ذلك عيبا عيبا: ولدت من امة سوداء، مجنونة حمقاء،تبول من قيام، وتعلوها اللئام، اذا لامسها الفحل كانت نطفتها انفذ من نطفته، ركبها في يوم واحد اربعون رجلا، واما انت‏فقد رايتك غاويا غير راشد، ومفسدا غير صالح، ولقد رايت فحل زوجتك على فراشك، فما غرت ولا انكرت، واما انت يامعاوية فما كنت في خير ولا ربيت في خير، فمالك ولبني هاشم؟ انساء بني امية كنسائهم؟.. الحديث . وهو طويل وقدحذفنا من‏اوله مقدار ماذكر، راجع المحاسن والاضداد للجاحظ ((2-678)) (ص‏102 104)، وفي طبعة (118 121)،والمحاسن والمساوئ ‏للبيهقي ((2-679)) (1/69 71).

هذه حقيقة الرجل ونفسياته وروحياته منذ العهد الجاهلي، وفي دور النبوة وبعده الى ما اثاره من فتن التقت بها حلقتاالبطان في ايام امير المؤمنين(ع)، يوم تحيزه الى ابن آكلة الاكباد لدحض الحق واهله، وما كان يتحرى فيها من الغوائل‏وبعدها، الى ان اصطلمه القدر الحاتم، واخترمته منيته يوم خابت امنيته، فطفق يتقلقل بين اطباق الجحيم، وتضربه‏زبانيتها بمقامع من حديد، ولعلنا المسناك هذه الحقيقة باليد، فلن تجد في تضاعيف هاتيك الاعوام له ماثرة يتبجح بها ابن‏انثى، خلا ما تقوله زبائنه من اعداء اهل البيت(ع)، وما عسى ان يكون مقيلها من ظل الحق؟ بعد مااثبتناه من الحقيقة‏الراهنة، ووقفنا عليه من احوال رواة السوء وشناشنهم في افتعال المدائح للزعانفة المؤتلفة معهم في النزعات الباطلة.

واما تاميره في غزوة ذات السلاسل فلا يجديه نفعا بعد ما علمناه من انه كان يتظاهر بالاسلام، ويبطن النفاق في طيلة‏حياته، وما كان الصالح العام والحكمة الالهية يحدوان رسول اللّه(ص) على العمل بالبواطن، وانما يجاري القوم مجاري‏ظواهرهم، لانهم حديثو عهد بالجاهلية، والاسلام لما يتحكم في افئدتهم، فلو كاشفهم على السرائر لانتكصوا على‏اعقابهم، وتقهقروا الى جاهليتهم الاولى، فكان يسايرهم على هذا الظاهر، لعلهم يتمرنون باعتناق الدين، وياخذ من‏قلوبهم محله، ولذلك انه(ص) كان يعلم بنفاق كثير من اصحابه كما اخبره اللّه تعالى بقوله (ومن اهل المدينة مردوا على‏ النفاق) ((2-680)) الى غيرها من الايات الكريمة، لكنه يستر عليهم رعاية لما ابرمه حذار الانتكاث، فكان تامير عمرو آمع علمه بنفاقه لتلك الحكمة البالغة، غير ملازم لحسن حاله على ما عرفته من كلام مولانا امير المؤمنين، من انه(ص) لماعقد له الراية شرط عليه شرطا قد اخلفه.

ويعرب عن حقيقة ما نرتئيه قول ابي عمرو وغيره: ان عمرو بن العاص ادعى على اهل الاسكندرية انهم قد نقضوا العهدالذي كان عاهدهم، فعمد اليها فحارب اهلها وافتتحها، وقتل المقاتلة، وسبى الذرية، فنقم ذلك عليه عثمان، ولم يصح عنده‏نقضهم العهد، فامر برد السبي الذي سبوا من القرى الى مواضعهم، وعزل عمرا عن مصر، وولى عبداللّه بن سعد بن ابي‏سرح العامري مصرا بدله، فكان ذلك بدء الشر بين عمرو بن العاص وعثمان بن عفان، فلما بدا بينهما من الشر ما بدا،اعتزل عمرو في ناحية فلسطين باهله، وكان ياتي المدينة احيانا ويطعن على عثمان ((2-681)). وسعر عليه الدنيا نارا، ولما اتاه‏قتله قال: انا ابوعبداللّه اذا نكات ((2-682)) قرحة ادميتها. وولى عمر عمرو بن العاص على مصر، وبقي واليا عليها الى اول خلافة عثمان، ثم ان عثمان عزله عن الخراج واستعمله‏على الصلاة، واستعمل على الخراج عبداللّه بن سعد بن ابي سرح، ثم جمعهما لعبداللّه بن سعد وعزل عمرا، فلما قدم عمروالمدينة جعل يطعن على عثمان، فارسل اليه يوما عثمان خاليا به. فقال: يا ابن النابغة ما اسرع ما قمل جربان ((2-683)) جبتك؟انما عهدك بالعمل عام اول، اتطعن علي وتاتيني بوجه وتذهب عني بالاخر؟ واللّه لولا اكلة ما فعلت ذلك. فقال عمرو: ان كثيرا مما يقول الناس وينقلون الى ولاتهم باطل، فاتق اللّه يا امير المؤمنين في رعيتك. فقال عثمان: واللّه لقداستعملتك على ظلعك ((2-684))، وكثرة القالة فيك. فقال عمرو: قد كنت عاملا لعمر بن الخطاب ففارقني وهو عني راض.فقال عثمان: وانا واللّه لو اخذتك بما اخذك به عمر لاستقمت، ولكني لنت لك فاجترات علي. فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه، ياتي عليا مرة فيؤلبه على عثمان، وياتي الزبير مرة فيؤلبه على عثمان، وياتي‏طلحة مرة فيؤلبه على عثمان، ويعترض الحاج فيخبرهم بما احدث عثمان.

ولما قصد الثوار الى المدينة، اخرج لهم عثمان عليا، فكلمهم فرجعوا عنه، وخطب عثمان الناس فقال: ان هؤلاء القوم من‏اهل مصر كان بلغهم عن امامهم امر، فلما تيقنوا انه باطل ما بلغهم عنه رجعوا الى بلادهم. فناداه عمرو بن العاص من‏ناحية المسجد: اتق اللّه يا عثمان فانك قد ركبت نهابير ((2-685)) وركبناها معك، فتب الى اللّه نتب، فناداه عثمان فقال: وانك‏هناك يا ابن النابغة، قملت واللّه جبتك منذ تركتك من العمل. وفي لفظ البلاذري في الانساب ((2-686)): يا ابن النابغة وانك‏ممن تؤلب علي الطغام، لاني عزلتك عن مصر.

فلما كان حصر عثمان الاول، خرج عمرو من المدينة حتى انتهى الى ارض له بفلسطين يقال لها: السبع، فنزل بها، وكان‏يقول: انا ابو عبداللّه اذا حككت قرحة نكاتها، واللّه ان كنت لالقى الراعي فاحرضه عليه. وفي لفظ البلاذري: وجعل‏يحرض الناس على عثمان حتى رعاة الغنم. فبينما هو بقصره بفلسطين، اذ مر به راكب من المدينة، فساله عمرو عن عثمان، فقال: تركته محصورا. قال عمرو: انا ابوعبداللّه قد يضرط العير والمكواة في النار، فلما بلغه مقتل عثمان، قال عمرو: انا ابو عبداللّه، قتلته وانا بوادي السباع، من يلي‏هذا الامر من بعده؟ ان يله طلحة فهو فتى العرب سيبا، وان يله ابن ابي طالب فلا اراه الا سيستنظف الحق ((2-687))، وهواكره من يليه الي.

فلما بلغه ان عليا قد بويع له، اشتد عليه وتربص لينظر ما يصنع الناس، ثم نمى اليه ان معاوية بالشام يابى ان يبايع عليا،وانه يعظم قتل عثمان، ويحرض على الطلب بدمه، فاستشار ابنيه عبداللّه ومحمدا في الامر، وقال: ماتريان؟ اما علي فلا خيرعنده وهو رجل يدل ((2-688)) بسابقته، وهو غير مشركي في شي‏ء من امره. فقال عبداللّه بن عمرو: توفي النبي(ص) وهوعنك راض، وتوفي ابو بكر(رض) وهو عنك راض، وتوفي عمر(رض) وهو عنك راض، ارى ان تكف يدك وتجلس في‏بيتك، حتى يجتمع الناس على امام فتبايعه. وقال محمد بن عمرو: انت ناب من انياب العرب، فلا ارى ان يجتمع هذا الامروليس لك فيه صوت ولا ذكر. قال عمرو: اما انت يا عبد اللّه فامرتني بالذي هو خير لي في آخرتي واسلم في ديني، واما انت يا محمد فامرتني بالذي انبه‏لي في دنياي واشر لي في آخرتي. ثم خرج عمرو بن العاص ومعه ابناه حتى قدم على معاوية، فوجد اهل الشام يحضون معاوية على الطلب بدم عثمان، فقال‏عمرو بن العاص: انتم على الحق، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم. ومعاوية لا يلتفت الى قول عمرو، فقال ابنا عمرو لعمرو:الاترى الى معاوية لا يلتفت الى قولك؟! انصرف الى غيره، فدخل عمرو على معاوية، فقال: واللّه لعجب لك اني ارفدك بماارفدك وانت معرض عني؟ ام واللّه ان قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة، ان في النفس من ذلك ما فيها، حيث نقاتل من‏تعلم‏سابقته وفضله وقرابته، ولكنا انما اردنا هذه الدنيا. فصالحه معاوية، وعطف عليه.

انساب الاشراف للبلاذري(5/74، 87)، تاريخ الطبري(5/108 111 و224)، كامل ابن الاثير(3/68)، تذكرة‏السبط(ص‏49)، جمهرة رسائل العرب(1/388) ((2-689)).

وكان بعد تلك ‏المساومة ‏المشؤومة يحرض الناس على قتل الامام امير المؤمنين، كما فعله على عثمان حتى قتله، وافتخر به‏بقوله: انا ابو عبداللّه قتلته وانا بوادي السباع. ثم جعل قميصه وسيلة النيل الى الرتبة والراتب، وقام بطلب دمه، قائلا: ان‏في‏النفس من ذلك ما فيها. وممن حثهم على امير المؤمنين والبهم عليه حريث مولى معاوية بن ابي سفيان. قال ابن عساكر في تاريخه ((2-690))(4/113):قال معاوية لحريث: ات ق عليا ثم ضع رمحك حيث شئت. فقال له عمرو بن العاص: انك واللّه ياحريث لو كنت‏قرشيالاحب معاوية ان تقتل عليا ، ولكن كره ان يكون لك حظها! فان رايت منه فرصة فاقتحم عليه.

ولما قتل امير المؤمنين(ع) استبشر بذلك، وبشره به سفيان بن عبد شمس بن ابي وقاص. قال ابن عساكر في ‏تاريخه ((2-691))(6/181): لما طعن امير المؤمنين علي بن ابي طالب(رض)، ذهب سفيان يبشر معاوية وعمرو بن العاص‏بقتله، فكتب معاوية الى عمرو وهو يقول:

وقتك واسباب المنون كثيرة / منية شيخ من لؤي بن غالب

فيا عمرو مهلا انما انت عمه / وصاحبه دون الرجال الاقارب

نجوت وقد بل المرادي سيفه / من ابن ابي شيخ الاباطح طالب

ويضربني بالسيف آخر مثله / فكانت عليه تلك ضربة لازب

وانت تناغي كل يوم وليلة‏ / بمصرك بيضا كالظباء الشوازب ((2-692))

هذه نفسية الرجل وتمام حقيقته اللائحة على تجارته البائرة، وصفقته الخاسرة، وبضاعته المزجاة من الدين المبطن بالالحادوالمكتنف بالنفاق، ولو لم يكن كذلك لما اقتنع بتلك المساومة، وهو يعرف الثمن والمثمن، ويعلم سابقة امير المؤمنين،وفضله، وقرابته، ويقول: ان يله ابن ابي طالب فلا اراه الا سيستنظف الحق. ومع ذلك يظهر بغضه وعداءه بقوله: وهو اكره‏من يليه الي، ويعترف بالحق ويتحيز الى خلافه، ويعرف الموضع الصالح للخلافة، ثم يميل مع الهوى ويقول: انما اردنا هذه‏الدنيا. فيبيع دينه لمعاوية بثمن بخس مصر وكورها ويؤلب الناس على الامام الطاهر بنص الكتاب العزيز، ويسربقتله.ولقد صارح بكل ذلك صراحة لاتقبل التاويل، وهي مستفادة من نصوصه ونصوص الصحابة الاولين، وبها عرف في‏التاريخ الصحيح، كما سمعت من دون اي استنباط او تحوير، فلا بارك اللّه في صفقة يمينه، ولا غارله بخير.