ما يتبع الشعر

ما يتبع الشعر

لا اجد لذي لب منتدحا عن معرفة يوم الغدير، لا سيما وبين يديه كتب الحديث والسير ومدونات التاريخ والادب،كل‏يومي اليه بسبابته، ويوعز اليه ببنانه، كل يلمس يدي القارئ حقيقة يوم الغدير، فلا يدع له ذكرا خاليا منه، ولا مخيلة‏تعدوه، ولا اضالع الا وقد انحنت عليه، فكانه وهو يتلقى خبره بعد لاي من الدهر يرنو اليه من كثب، ويستشف امره على‏ امم ((2-1416))، ولعل الواقف على كتابنا هذا من البدء الى الغاية يجد فيه نماذج مما قلناه.

اذا فهلم معي واعجب من الدكتور ملحم ابراهيم الاسود شارح ديوان شاعرنا المترجم حيث يقول عند قوله:

ويوم الغدير استوضح الحق اهله /بضحياء لا فيها حجاب ولا ستر

يوم الغدير واقعة حرب معروفة. وذكر بعده في قوله:

يمد بضبعيه ويعلم انه / ولي ومولاكم فهل لكم خبر

ما يكشف عن انها كانت من المغازي النبوية، قال (ص‏381): يمد بضبعيه يساعده وينصره، والهاء راجعة الى الامام علي،اي: كان رسول اللّه(ص) ينصره ويعلم انه ولي، كان العضد والمساعد الوحيد للنبي(ص) في الغدير، والرسول نفسه كان‏ينصره عالما انه سيكون وليا على شعبه بعده وخليفة له، وهذه هي الحقيقة، فهل تعلمون؟ انتهى.

الا مسائل هذا الرجل عن مصدر هذه الفتوى المجردة؟ اهل وجد هاتيك الغزوة في شي‏ء من السير النبوية؟ او نص عليهااحد من ائمة التاريخ؟ ام ان تلك الحرب الزبون ((2-1417)) وحدها قد توسع بنقلها المتوسعون من نقلة الحديث؟. دع ذلك‏كله، هل وجد قصاصا يقصها؟ او شاعرا يصورها بخياله؟

الا من يسائله عن ان هذه الغزوة متى زيدت على الغزوات النبوية المحدودة؟ المعلومة بكمها وكيفها، المدونة اطوارهاوشؤونها، وليس فيها غزوة يوم الغدير، متى زيدت هذه على ذلك العدد الثابت بواحدة، فكان فيها علي والنبي يتناصران،ويعضد كل صاحبه، ويدفع كل عن الاخر، كما يحسبه هذا الكاتب؟

وانك لتجد الكاتب عيا عن جواب هذه الاسئلة، لكنه حبذت له بواعثه ان يستر حقيقة الغدير بذيل امانته، وهو يحسب‏انه لا يقف على ذلك التعليق الا الدهماء، او ان البحاثة يمرون عليه كراما، لكن المحافظة على حقيقة دينية اولى من التحفظ‏على اعتبار هذا الكاتب الذي يكتب ولا يبالي بما يكتب، ويرى الكذب حقيقة راهنة.

نعم، كان في الجاهلية يوم اغار فيه دريد بن الصمة المقتول كافرا بعد فتح مكة على غطفان «بعد مقتل اخيه ‏عبداللّه» ((2-1418)) يطالبهم بدمه، فاستقراهم حيا حيا، وقتل من بني عبس ساعدة بن مر، واسر ذواب بن اسماء الجشمي.فقالت بنو جشم: لو فاديناه. فابى ذلك دريد عليهم، وقتله باخيه عبداللّه، واصاب جماعة من بني مرة ومن بني ثعلبة ومن‏احياء غطفان. قال في الاغاني ((2-1419)) (9/6): وذلك في يوم الغدير. وذكر لدريد شعرا في ذلك.

وعد في العقد الفريد ((2-1420)) (3/71) من حروب الجاهلية يوم غدير قلياد قال: قال ابو عبيدة: فاصطلح الحيان الا بني ثعلبة بن سعد، فانهم ابوا ذلك وقالوا: لا نرضى حتى يودوا قتلانا او يهدر دم من‏قتلها، فخرجوا من قطن ((2-1421))، حتى وردوا غدير قلياد فسبقهم بنو عبس الى الماء، فمنعوهم حتى كادوا يموتون‏عطشا ودوابهم، فاصلح بينهم عوف ومعقل ابنا سبيع من بني ثعلبة، واياهما يعني زهير بقوله:

تداركتما عبسا وذبيان بعدما / تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم

وقلياد في الكلام المذكور مصحف قلهي كما يظهر من معجم البلدان ((2-1422)) (7/154)، وبلوغ الارب (2/73)، وفي‏الاخير عده من ايام العرب المشهورة.

هذا كل ما روي في حديث هذا اليوم الذي لم يكن لرسول اللّه(ص) ولا لاحد من الهاشميين فيه حل ولا مرتحل ولا لوصيه‏امير المؤمنين(ع) فيه صولة او جولة، فالحديث ليس فيه اي صلة بهما، افمن المعقول اذن ان يريده ابو تمام المادح‏للوصي‏الاعظم، ويعده ماثرة له؟ على ان الشعر نفسه يابى ان يكون المراد به واقعة حرب دامية، فان الشاعر بعد ان عدمواقف امير المؤمنين(ع) في الغزوات النبوية، وذكر منها غزاة احد وبدر وحنين والنضير وخيبر والخندق وختمها بقوله:

مشاهد كان اللّه كاشف كربها / وفارجه والامر ملتبس امر

اخذ في ذكر منقبة ناء بها اللسان دون السيف والسنان فقال: ويوم الغدير وانت ترى انه يوعز الى قصة فيهاقيام‏ودعوة واعلام وبيان ومجاهرة باثبات الحق لاهله.