قيس ومعاوية في المدينة

قيس ومعاوية في المدينة

روى التابعي الكبير ابو صادق سليم بن قيس الهلالي في كتابه ((2-495))، قال: قدم معاوية حاجا في ايام خلافته بعدما مات الحسن بن علي(ع)، فاستقبله اهل المدينة، فنظر فاذا الذين استقبلوه عامهم‏قريش، فالتفت معاوية الى قيس بن سعد بن عبادة، فقال: مافعلت الانصار، وما بالها ماتستقبلني؟ فقيل: انهم محتاجون‏ليس لهم دواب. فقال معاوية: فاين نواضحهم؟ فقال قيس بن سعد: افنوها يوم بدر واحد وما بعدهما من مشاهد رسول اللّه(ص) حين ضربوك واباك على الاسلام، حتى‏ظهر امر اللّه وانتم كارهون. فقال معاوية: اللهم اغفر. فقال قيس: اما ان رسول اللّه(ص) قال: ((سترون بعدي اثرة)). فقال معاوية: فما امركم به؟ قال:امرنا ان نصبر حتى نلقاه. قال: فاصبروا حتى تلقوه.

ثم قال: يامعاوية تعيرنا بنواضحنا؟ واللّه لقد لقيناكم عليها يوم بدر وانتم جاهدون على اطفاء نور اللّه، وان تكون كلمة‏الشيطان هي العليا، ثم دخلت انت وابوك كرها في الاسلام الذي ضربناكم عليه. فقال معاوية: كانك تمن علينا بنصرتكم ايانا، فلله ولقريش بذلك المن والطول. الستم تمنون علينا يامعشر الانصاربنصرتكم رسول اللّه؟ وهو من قريش وهو ابن عمنا ومنا، فلنا المن والطول ان جعلكم اللّه انصارنا واتباعنا فهداكم بنا. فقال قيس:

ان اللّه بعث محمدا(ص) رحمة للعالمين، فبعثه الى الناس كافة، والى الجن، والانس، والاحمر، والاسود،والابيض، اختاره لنبوته، واختصه برسالته، فكان اول من صدقه وآمن به ابن عمه علي بن ابي طالب(ع) وابو طالب ‏يذب‏عنه ويمنعه، ويحول بين كفار قريش وبين ان يردعوه او يؤذوه، وامره ان يبلغ رسالة ربه، فلم يزل ممنوعا من الضيم‏والاذى حتى مات عمه ابو طالب، وامر ابنه بموازرته، فوازره ونصره، وجعل نفسه دونه في كل شديدة، وكل ضيق،وكل‏خوف، واختص اللّه بذلك عليا(ع) من بين قريش، واكرمه من بين جميع العرب والعجم، فجمع رسول اللّه(ص) جميع‏بني عبدالمطلب، فيهم ابو طالب وابو لهب، وهم يومئذ اربعون رجلا، فدعاهم رسول اللّه(ص) وخادمه علي(ع) ورسول‏اللّه(ص) في حجر عم ه ابي طالب، فقال: ((ايكم ينتدب ان يكون اخي، ووزيري، ووصيي، وخليفتي في امتي، وولي‏كل‏مؤمن بعدي؟)). فسكت القوم حتى اعادها ثلاثا، فقال علي(ع): ((انا يارسول اللّه صلى اللّه عليك)) فوضع راسه في حجره، وتفل في فيه،وقال: ((اللهم املا جوفه علما وفهما وحكما)). ثم قال لابي طالب: ((يا ابا طالب اسمع الان لابنك واطع فقد جعله اللّه من نبى‏ه بمنزلة هارون من موسى)) وآخى(ص) بين علي وبين نفسه. فلم يدع قيس شيئا من مناقبه الا ذكره واحتج به.

وقال: منهم: جعفر بن ابي طالب الطيار في الجنة بجناحين، اختصه اللّه بذلك من بين الناس، ومنهم: حمزة سيد الشهداء،ومنهم: فاطمة سيدة نساء اهل الجنة. فاذا وضعت من قريش رسول اللّه(ص) واهل بيته وعترته الطيبين، فنحن واللّه آخير منكم يامعشر قريش، واحب الى اللّه ورسوله والى اهل بيته منكم، لقد قبض رسول اللّه فاجتمعت الانصار الى ابي،ثم قالوا: نبايع سعدا، فجاءت قريش فخاصمونا بحجة علي واهل بيته، وخاصمونا بحقه وقرابته، فما يعدو قريشا ان‏يكونوا ظلموا الانصار وظلموا آل محمد، ولعمري ما لاحد من الانصار ولا لقريش ولا لاحد من العرب والعجم في‏الخلافة حق مع علي بن ابي طالب وولده من بعده.

فغضب معاوية، وقال: ياابن سعد عمن اخذت هذا؟ وعمن رويته؟ وعمن سمعته؟ ابوك اخبرك بذلك وعنه اخذته؟ فقال قيس: سمعته واخذته ممن هو خير من ابي، واعظم علي حقا من ابي. قال: من؟ قال: علي بن ابي طالب، عالم هذه‏الامة، وصديقها الذي انزل اللّه فيه: (قل كفى باللّه شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب)  ((2-496)) فلم يدع آية نزلت‏في علي الا ذكرها. قال معاوية: فان صديقها ابو بكر، وفاروقها عمر، والذي عنده علم الكتاب عبداللّه بن سلام. قال قيس: احق هذه الاسماء واولى بها الذي انزل اللّه فيه: (افمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) ((2-497)) والذي‏نصبه رسول اللّه(ص) بغدير خم فقال: ((من كنت مولاه اولى به من نفسه، فعلي اولى به من نفسه)) وقال في غزوة تبوك: ((انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي)).

كل ما ذكره قيس في هذه المناظرة من الايات النازلة في امير المؤمنين، والاحاديث النبوية الماثورة في فضله، اخرجهاالحفاظ والعلماء في المسانيد والصحاح، نذكر كلا منها في محله ان شاء اللّه، كما مر بعضها.