نقد على ابن كثير فى‏ تزييفه حديث يوم الغدير

[lwptoc]

نقد على ابن كثير فى‏ تزييفه حديث يوم الغدير

فاذا وضح لديك ذلك فهلم معي الى ما يتعقبه ابن كثير هذا الحديث، ويحسب انه حديث منكر بل كذب، لما ((1-2419)) روي من نزول الاية يوم عرفة من حجة الوداع، وان تعجب فعجب ان يجزم جازم بمنكرية احد الفريقين في الروايات المتعارضة وهما متكافئان في الصحة، فليت شعري اي مرجح في الكفة المقابلة لحديثنا بالصحة؟ وما المطفف في الميزان في كفة هذا الحديث؟ مع امكان معارضة ابن‏كثير بمثل قوله في الجانب الاخر لمخالفته لما اثبتناه من نزول الاية الكريمة، وهل لمزعمة ابن كثير مبرر غير انه يهوى ان يزحزح القران الكريم عن هذا النبا العظيم؟ والا لكان في وسعه ان يقول كما قال سبط ابن الجوزي في تذكرته ((1-2420)) (ص‏18) بامكان نزولها مرتين، كما وقع في البسملة وايات اخرى قدمنا ذكرها (ص‏257).

ولابن كثير في تاريخه ((1-2421)) (5/214) شبهة اخرى في تدعيم انكاره للحديث، وهي حسبان ان ما فيه من ان صوم يوم الغدير يعدل ستين شهرا يستدعي ‏تفضيل المستحب على الواجب، لان الوارد في صوم شهر رمضان كله انه يقابل بعشرة اشهر، وهذا منكر من القول باطل.

ويقال في دحض هذه المزعمة بالنقض تارة، وبالحل اخرى:

اما النقض: فبما جاء من احاديث جمة لا يسعنا ذكر كلها بل جلها ((1-2422)) ، ونقتصر منها على عدة احاديث، وهي:

1 حديث «من صام رمضان ثم اتبعه بست من شوال فكانما صام الدهر»،

اخرجه ((1-2423)) مسلم بعدة طرق في صحيحه (1/323)، وابو داود في سننه (1/381)،وابن ماجة في سننه (1/524)، والدارمي في سننه (2/21)، واحمد في مسنده (5/417 و419)، وابن الديبع في تيسير الوصول (2/329) نقلا عن الترمذي ومسلم، وعليه اسند قوله كل من ذهب الى استحباب صوم هذه الايام الستة.

2 حديث «من صام ستة ايام بعد الفطر كان تمام السنة‏»،

اخرجه ((1-2424)) ابن ماجة في سننه (1/524)، والدارمي في سننه (2/21)، واحمد في مسنده (3/308، 324، 344 و 5/280)، والنسائي وابن حبان في سننهما، وصححه السيوط‏ي في الجامع الصغير((1-2425)) « (2/79).

3 كان رسول اللّه(ص) يامر بصيام الايام البيض ثلاث عشرة واربع عشرة وخمس عشرة،

ويقول: «هو كصوم الدهر اوكهيئة الدهر»، اخرجه ابن ماجة في سننه ((1-2426)) (1/522)، والدارمي في سننه (2/19).

4 «ما من ايام الدنيا ايام احب الى اللّه سبحانه ان يتعبد له فيها من ايام العشر في‏ذي الحجة وان صيام يوم فيهاليعدل صيام سنة، وليلة فيها بليلة القدر»،

اخرجه ابن ماجة في سننه (1/527)، والغزالي في احياء العلوم((1-2428)) ((1-2427)) (1/227) وفيه: «من صام ثلاثة ايام من شهر حرام: الخميس، والجمعة، والسبت، كتب اللّه له بكل يوم عبادة‏تسعمائة عام‏».

5 عن انس بن مالك قال:

كان يقال في ايام العشر: بكل يوم الف يوم، ويوم عرفة عشرة الاف يوم. قال: يعني في الفضل.

اخرجه المنذري في الترغيب والترهيب ((1-2429)) (2/66) نقلا عن البيهقي 4والاصبهاني.

6 «صيام ثلاثة ايام من كل شهر صيام الدهر وافطاره‏».

اخرجه احمد في مسنده (5/34)، وابن حبان في‏صحيحه، ((1-2430)) وصححه السيوط‏ي في الجامع الصغير (2/78)، واخرجه النسائي وابو يعلى في مسنده والبيهقي عن جريربلفظ: «صيام ثلاثة ايام من كل شهر صيام الدهر» ، كما في الجامع الصغير (2/78) ، واخرج الترمذي والنسائي كمافي تيسير الوصول (2/330) : «من صام من كل شهر ثلاثة ايام فذلك صيام الدهر»، فانزل اللّه تعالى تصديق ذلك في‏كتابه: (من جاء بالحسنة فله عشر امثالها) ((1-2431)) ، اليوم بعشرة ايام، واخرجه بلفظ يقرب من هذا مسلم في صحيحه(1/319 و321) ، واخرج النسائي من حديث جرير: «صيام ثلاثة ايام من كل شهر كصيام الدهر ثلاث ايام البيض‏»،واخرجه الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (2/33)، وذكره ابن حجر في سبل السلام (2/234)، وصححه.

7 «صيام يوم عرفة كصيام الف يوم‏».

اخرجه ابن حبان عن عائشة، كما في الجامع الصغير ((1-2432)) (2/78)، واخرجه الطبراني في الاوسط والبيهقي، كما في‏الترغيب والترهيب ((1-2433)) (2/27 و66).

8 عن عبداللّه بن عمر قال: كنا ونحن مع رسول اللّه(ص) نعدل صوم يوم عرفة بسنتين.

رواه الطبراني في الاوسط ((1-2434)) ، وهو عند النسائي ((1-2435)) بلفظ: (سنة)، كما في الترغيب والترهيب (2/27). ((1-2436)) 9 «من صام يوم سبع وعشرين من رجب كتب اللّه تعالى له صيام ستين شهرا».

اخرجه الحافظ الدمياط‏ي ((1-2437)) في سيرته، كما في السيرة الحلبية ((1-2438)) (1/254)، ورواه الصفوري في نزهة‏المجالس (1/154).

10 عن ابي هريرة وسلمان عن رسول اللّه(ص):

«ان في رجب يوما وليلة من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة كان له‏من الاجر كمن صام مائة سنة وقامها، وهي: لثلاث بقين من رجب‏». رواه الشيخ عبدالقادر الجيلاني في غنية الطالبين ((1-2439)) ، كما في نزهة المجالس للصفوري (1/154).

11 «شهر رجب شهر عظيم من صام منه يوما كتب اللّه له صوم ثلاثة الاف سنة‏».

رواه الكيلاني في غنيته، كما في نزهة المجالس للصفوري (1/153).

12 «من صام يوم عاشوراء فكانما صام الدهر كله، مكتوب في التوراة‏».

ذكره الصفوري في نزهته (1/174).

13 «من صام يوما من المحرم فله بكل يوم ثلاثون يوما».

رواه الطبراني في الصغير ((1-2440)) ، كما ذكره الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب ((1-2441)) (2/28).

واما الحل :

فليس عندنا اصل مسلم يركن اليه في لزوم زيادة اجر الفرائض على المثوبة في المستحبات، بل امثال الاحاديث‏السابقة في النقض ترشدنا الى امكان العكس، بل وقوعه، وتؤكد ذلك الاحاديث الواردة في غير الصيام من الاعمال‏المرغب فيها.

على ان المثوبة واقعة تجاه حقائق الاعمال ومقتضياتها الطبيعية، لا ما يعروها من عوارض كالوجوب والندب حسب‏المصالح المقترنة بها، فليس من المستحيل ان يكون في طبع المندوب في ماهيات مختلفة، او بحسب المقارنات‏المحتفة به في المتحدة منها ما يوجب المزيد له.

ويقال في المقام: ان ترتب المثوبة على العمل انما هو بمقدار كشفه عن حقيقة الايمان، وتوغله في نفس العبد، ومما لاشك‏فيه ان الاتيان بما هو زائد على الوظائف المقررة من الواجبات وترك المحرمات من المستحبات والتجنب عن‏المكروهات اكشف عن ثبات العبد في مقام الامتثال، وخضوعه لمولاه، وحبه له، وبه يكمل الايمان، ولم يزل العبديتقرب به الى المولى سبحانه حتى يحبه، كما ورد فيما اخرجه البخاري في صحيحه ((1-2442)) (9/214) عن ابي هريرة،قال: قال رسول اللّه(ص): «ان اللّه عز وجل قال: ما يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى احبه، فاذا احببته كنت سمعه‏الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها،ورجله التي‏ى مشي بها» الحديث ((1-2443)) .

بل من الممكن ان يقال: انه ليس في نواميس العدل ما يحتم ترتيب اجر على اقامة الواجب وترك المحرم، زائدا على مامنح به من الحياة والعقل والعافية ومؤن الحياة، ومعدات العمل، والنجاة من النار في الاخرة، بل ان كلا من هاتيك النعم‏الجزيلة يصغر عنه صالحات العبد جمعاء، وليس هناك الا الفضل.

وهذا الذي يستفاد من غير واحد من ايات الكتاب العزيز نظير قوله تعالى: (ان المتقين في مقام امين # في جنات وعيون #يلبسون من سندس واستبرق متقابلين‏# كذلك وزوجناهم بحور عين # يدعون فيها بكل فاكهة امنين # لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الاولى‏ووقاهم عذاب الجحيم # فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم ((1-2444)) ) فكل ما هناك من‏النعيم والمثوبات انما هو بفضله واحسانه ‏سبحانه ‏وتعالى.

قال الفخر الرازي في تفسيره ((1-2445)) (7/459):

احتج اصحابنا بهذه الاية على ان الثواب يحصل تفضلا من اللّه تعالى، لا بطريق الاستحقاق، لانه تعالى لما عد اقسام‏ثواب المتقين بين انها باسرها انما حصلت على سبيل الفضل والاحسان من اللّه تعالى، ثم قال تعالى: (ذلك هو الفوزالعظيم)، واحتج اصحابنا بهذه الاية على ان التفضيل اعلى درجة من الثواب المستحق، فانه تعالى وصفه بكونه فضلا من‏اللّه، ثم‏وصف الفضل من اللّه بكونه فوزا عظيما، ويدل عليه ايضا ان الملك العظيم اذا اعط‏ى الاجير اجرته، ثم خلع على‏انسان اخر، فان تلك الخلعة اعلى حالا من اعطاء تلك الاجرة. انتهى.

وقال ابن كثير نفسه في الاية الشريفة في تفسيره (4/147):

ثبت في الصحيح عن رسول اللّه(ص) انه قال:

«اعملوا وسددوا وقاربوا، واعلموا ان احدا لن يدخله عمله الجنة.

قالوا: ولا انت يا رسول اللّه؟ قال: ولا انا الا ان‏يتغمدني اللّه برحمة منه وفضل‏». انتهى.

وبوسعك استشعار هذا المعنى من الصحيح الذي اخرجه البخاري في صحيحه ((1-2446)) (4/264) عن رسول اللّه(ص) انه‏قال:

«حق اللّه على العباد ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على اللّه ان لايعذب من لا يشرك به شيئا»، وانت جدعليم بان هذا المقدار من الحق الثابت على اللّه للعباد انما هو بتقرير العقل السليم، واما الزائد عليه من النعيم الساكت‏عنه نبي البيان فليس الا الفضل والاحسان من المولى سبحانه.

وانت تجد في معاملات الدول مع افراد الموظفين انه ليس بازاء واجباتهم وعدم الخيانة فيها من الاجر الا الرتبة‏والراتب، وانما يحظ‏ى احدهم بترفيع في المرتبة او زيادة في الرتبة بخدمة زائدة على مقرراتها عليهم، وليس في الناس‏من ينقم على الحكومات ذلك، وهذه الحالة عينا جارية بين الموالي والعبيد، وهي من الارتكازات المرتسخة في‏نفسيات البشر كلهم، غير ان اللّه سبحانه بفضله المتواصل يثيب العاملين بواجبهم باجور جزيلة.

وهاهنا كلمة قدسية لسيدنا ومولانا زين العابدين الامام الطاهر علي بن الحسين صلوات اللّه عليهما والهما لا منتدح‏عن اثباتها، وهي قوله في دعائه اذا اعترف بالتقصير عن تادية الشكر من صحيفته الشريفة:

«اللهم ان احدا لا يبلغ من شكرك غاية الا حصل عليه من احسانك ما يلزمه شكرا، ولا يبلغ مبلغا من طاعتك وان‏اجتهد الا كان مقصرا دون استحقاقك بفضلك، فاشكر عبادك عاجز عن شكرك واعبدهم مقصر عن طاعتك، لا يجب‏لاحد ان تغفر له باستحقاقه، ولا ان ترضى عنه باستيجابه، فمن غفرت له فبطولك، ومن رضيت عنه فبفضلك، تشكريسير ما شكرت به، وتثيب على قليل ما تطاع فيه، حتى كان شكر عبادك الذي اوجبت عليه ثوابهم، واعظمت عنه‏جزاءهم، امر ملكوا استطاعة الامتناع منه دونك فكافيتهم، او لم يكن سببه بيدك فجازيتهم، بل ملكت يا الهي امرهم‏قبل ان يملكوا عبادتك، واعددت ثوابهم قبل ان يفيضوا في طاعتك، وذلك ان سنتك الافضال، وعادتك الاحسان،وسبيلك العفو، فكل البرية معترفة بانك غير ظالم لمن عاقبت، وشاهدة بانك متفضل على من عافيت، وكل مقر على‏نفسه بالتقصير عما استوجبت، فلو ان الشيطان لم يختدعهم عن طاعتك، ماعصاك عاص، ولولا انه صور لهم الباطل في‏مثال الحق، ما ضل عن طريقك ضال، فسبحانك ما ابين كرمك في معاملة من اطاعك او عصاك، تشكر للمطيع ما انت‏توليته له، وتملي للعاصي فيما تملك معاجلته فيه، اعطيت كلا منهما ما لم يجب له، وتفضلت على كل منهما بما يقصرعمله عنه، ولو كافات المطيع على ما انت توليته لا وشك ان يفقد ثوابك، وان تزول عنه نعمتك، ولكنك بكرمك جازيته‏على المدة القصيرة الفانية بالمدة الطويلة الخالدة، وعلى الغاية القريبة الزائلة بالغاية المديدة الباقية.

ثم لم تسمه القصاص فيما اكل من رزقك الذي يقوى به على طاعتك، ولم تحمله على المناقشات في الالات التي‏تسبب باستعمالها الى مغفرتك، ولو فعلت ذلك به لذهب بجميع ما كدح له، وجملة ما سعى فيه، جزاء للصغرى من‏اياديك ومننك، ولبقي رهينا بين يديك بسائر نعمك، فمتى كان يستحق شيئا من ثوابك، لامتى؟…» الخ.

وفي يوم الغدير صلاة الف فيها ابو النضر العياشي والصابوني المصري كتابا مفردا، راجع فيها وفي الادعية الماثورة يوم‏ذاك التاليف المعدة لها.

(هذا كتاب انزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون) ((1-2447))