نظرة فى الحديث

  الغدير
[lwptoc]

نظرة فى الحديث

قد عرفت مصافقة التفسير والخبر في سبب نزول الاية الكريمة، ومطابقة النصوص والاسانيد في اثبات الحديث‏والاخبات اليه، وقد افرغته الشعراء في بوتقة النظم منذ عهد متقادم كابي محمد العوني الغساني، المترجم في شعراءالقرن الرابع في قوله:

يقول رسول اللّه: هذا لامتي / هو اليوم‏ مولى رب ما قلت فاسمع

فقال جحود ذو شقاق منافق / ينادي رسول اللّه من قلب موجع

اعن ربنا هذا، ام انت اخترعته؟ / فقال: معاذ اللّه لست بمبدع

فقال عدو اللّه: لا هم ان يكن / كما قال حقا بي عذابا فاوقع

فعوجل من افق السماء بكفره / بجندلة فانكب ثاو بمصرع

وقال آخر في ارجوزته:

وما جرى لحارث النعمان / في امره من اوضح البرهان

على اختياره لامر الامه / فمن هناك ساءه وغمه

حتى اتى النبي بالمدينه / محبنطئا من شدة الضغينه

وقال ما قال من المقال / فباء بالعذاب والنكال

ولم نجد من قريب او مناوى‏ء غمزا فيه او وقيعة في نقله، مهما وجدوا رجال اسناده ثقات فاخبتوا اليه، عدا ما يؤثر عن‏ابن تيمية ((1-1708)) في منهاج السنة (4/13) فقدذكر وجوها في ابطال الحديث كشف بها عن سواته، كما هو عادته في‏كل مسالة تفرد بالتحذلق فيها عند مناواة فرق المسلمين، ونحن نذكرها مختصرة ونجيب عنها:

الوجه الاول :

ان قصة الغدير كانت في مرتجع رسول اللّه(ص) من حجة الوداع، وقد اجمع الناس على هذا، وفي‏الحديث: انها لما شاعت في البلاد جاءه الحارث وهو بالابطح بمكة، وطبع الحال يقتضي ان يكون ذلك بالمدينة‏فالمفتعل للرواية كان يجهل تاريخ قصة الغدير.

الجواب :

اولا: ما سلف في رواية الحلبي في السيرة ((1-1709)) ، وسبط ابن الجوزي في التذكرة ((1-1710)) ، والشيخ محمد صدرالعالم في معارج العلى من ان مجي‏ء السائل كان في المسجد ان اريد منه مسجد المدينة ونص الحلبي على انه‏كان بالمدينة، لكن ابن تيمية عزب عنه ذلك كله، فطفق يهملج في تفنيد الرواية بصورة جزمية.

ثانيا: فان مغاضاة الرجل عن الحقائق اللغوية، او عصبيته العمياء التي اسدلت بينه وبينها ستور العمى ورطته في هذه‏الغمرة، فحسب اختصاص الابطح بحوالي مكة، ولو كان يراجع كتب الحديث ومعاجم اللغة والبلدان، والادب لوجدفيها نصوص اربابها بان الابطح: كل مسيل فيه دقاق الحصى، وقولهم في الاشارة الى بعض مصاديقه: ومنه بطحاء مكة،وعرف انه يطلق على كل مسيل يكون بتلك الصفة، وليس حجرا على اطراف البلاد واكناف المفاوز ان تكون فيها اباطح.

روى البخاري في صحيحه ((1-1711)) (1/181)، ومسلم في صحيحه ((1-1712)) (1/382) عن‏عبداللّه بن عمر: ان رسول‏اللّه(ص) اناخ بالبطحاء بذي الحليفة فصلى بها.

وفي الصحيحين ((1-1713)) عن نافع: ان ابن عمر كان اذا صدر عن الحج او العمرة اناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة التي‏كان النبي(ص) ينيخ بها.

وفي صحيح مسلم ((1-1714)) (1/382) عن عبداللّه بن عمر: ان رسول اللّه(ص) اتى في معرسه ((1-1715)) بذي الحليفة((1-1716))فقيل له: انك ببطحاء مباركة. وفي امتاع المقريزي ((1-1717)) وغيره: ان النبي اذا رجع من مكة دخل المدينة من معرس الابطح، فكان في معرسه في‏بطن الوادي، فقيل له: انك ببطحاء مباركة.

وفي صحيح البخاري ((1-1718)) (1/175) عن ابن عمر: ان رسول اللّه(ص) كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر، وفي حجته‏حين حج تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة، وكان اذا رجع من غزو كان في تلك الطريق او حج اوعمرة هبطببطن واد، فاذا ظهر من بطن اناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية، فعرس‏ثم حتى يصبح. وكان ثم‏خليج يصلي عبداللّه عنده، وفي بطنه كثب كان رسول اللّه(ص) ثم يصلي، فدحا فيه السيل بالبطحاء. الحديث. وفي رواية ابن زبالة: فاذا ظهر النبي من بطن الوادي اناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية.

وفي مصابيح البغوي ((1-1719)) (1/83): قال القاسم بن محمد: دخلت على عائشة‏غ‏فقلت: يا اماه اكشفي لي عن قبرالنبي(ص)، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ((1-1720)) ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء.

وروى السمهودي في وفاء الوفا ((1-1721)) (2/212) من طريق ابن شبة والبزار عن عائشة عن النبي(ص) انه قال: بطحان‏على ترعة من ترع الجنة.

وقبل هذه الاحاديث كلها ما ورد في حديث الغدير من طريق حذيفة بن اسيد وعامر بن ليلى قالا: لما صدر رسول اللّهمن حجة الوداع ولم يحج غيرها، اقبل حتى كان بالجحفة، نهى عن سمرات متقاربات بالبطحاء، ان لا ينزل‏تحتهن‏احد… الحديث. راجع (ص‏26، 46).

واما معاجم اللغة والبلدان: ففي معجم البلدان ((1-1722)) (2/213): البطحاء في اللغة مسيل فيه دقاق الحصى، والجمع: الاباطح والبطاح على غيرقياس، الى ان قال: قال ابو الحسن محمد بن علي ابن نصر الكاتب: سمعت عوادة تغني في ابيات طريح بن اسماعيل‏الثقفي في الوليد بن يزيد بن عبدالملك وكان من اخواله:

انت ابن مسلنطح ((1-1723)) البطاح ولم / تطرق عليك الحني والولج ((1-1724))

فقال بعض الحاضرين: ليس غير بطحاء مكة، فما معنى الجمع؟ فثار البطحاوي العلوي، فقال: بطحاء المدينة، وهو اجل من بطحاء مكة، وجدي منه، وانشد له:

وبطحا المدينة لي منزل / فيا حبذا ذاك من منزل

فقال: فهذان بطحاوان فما معنى الجمع؟ قلنا: العرب تتوسع في كلامها وشعرها فتجعل الاثنين جمعا، وقد قال بعض‏الناس: ان اقل الجمع اثنان، ومما يؤكدانهما بطحاوان قول الفرزدق:

وانت ابن بطحاوي قريش فان تشا / تكن في ثقيف سيل ذي ادب عفر

ثم قال: قلت انا: وهذا كله تعسف. واذا صح باجماع اهل اللغة ان البطحاء: الارض ذات الحصى فكل قطعة من تلك الارض‏بطحاء، وقد سميت قريش البطحاء، وقريش الظواهر، في صدر الجاهلية ولم يكن بالمدينة منهم احد. واما قول الفرزدق وابن نباتة، فقد قالت العرب: الرقمتان ورامتان، وامثال ذلك كثير تمر في هذا الكتاب، قصدهم بهااقامة الوزن فلا اعتبار به.

البطاح بالضم : منزل لبني يربوع، وقد ذكره لبيد، فقال:

تربعت الاشراف ثم تصيفت / حساء البطاح وانتجعن السلائلا

وقيل: البطاح ماء في ديار بني اسد، وهناك كانت الحرب بين المسلمين واميرهم خالد بن الوليد واهل الردة، وكان‏ضرار بن الازور الاسدي قد خرج طليعة لخالد بن الوليد، وخرج مالك بن نويرة طليعة لاصحابه، فالتقيا بالبطاح فقتل‏ضرار مالكا، فقال اخوه متمم يرثيه:

سابكي اخي مادام صوت حمامة / تورق في وادي البطاح حماما

وقال وكيع بن مالك يذكر يوم البطاح:

فلما اتانا خالد بلوائه / تخطت اليه بالبطاح الودائع

وقال في ((1-1725)) (ص‏215): البطحاء: اصله المسيل الواسع فيه دقاق الحصى. وقال النضر: الابطح والبطحاء بطن الميثاء والتلعة والوادي، هو التراب‏السهل في بطونها مما قد جرته السيول، يقال: اتينا ابطح الوادي، وبطحاؤه مثله، وهو ترابه وحصاه السهل اللين. والجمع‏الاباطح. وقال بعضهم: البطحاء كل موضع متسع. وقول عمر(رضى ا… عنه): بطحوا المسجد، اي القوا فيه الحصى الصغار، وهوموضع بعينه قريب من ذي قار. وبطحاء مكة وابطحها ممدود، وكذلك بطحاء ذي الحليفة. قال ابن اسحاق: خرج النبي(ص) غازيا فسلك نقب بني دينار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن ازهر يقال لها ذات الساق،فصلى تحتها فثم مسجده. وبطحاء ايضا مدينة بالمغرب قرب تلمسان.

بطحان روي فيه الضم والفتح واد بالمدينة، وهو احد اوديتها الثلاثة، 2وهي: العقيق، وبطحان، وقتاة، قال الشاعر آوهو يقوي رواية من سكن الطاء :

ابا سعيد لم ازل بعدكم / في كرب للشوق تغشاني

كم مجلس ولى بلذاته / لم يهنني اذ غاب ندماني

سقيا لسلع ولساحاتها / والعيش في اكناف بطحان

وقال ابن مقبل في قول من كسر الطاء:

عفى بطحان من سليمى فيثرب / فملقى الرمال من منى فالمحصب

وقال ابو زياد: بطحان من مياه الضباب.

وقال في ((1-1726)) (ص‏222): البطيحة بالفتح ثم الكسر وجمعها البطائح، والبطيحة والبطحاء واحد. وتبطح السيل اذااتسع في الارض، وبذلك سميت بطائح واسط، لان المياه تبطحت فيها اي سالت، واتسعت في الارض، وهي ارض‏واسعة بين واسط والبصرة، وكانت قديما قرى متصلة وارضا عامرة، فاتفق في ايام كسرى ابرويز ان زادت دجلة زيادة‏مفرطة، وزاد الفرات ايضا بخلاف العادة، فعجز عن سدها فتبطح الماء في تلك الديار والعمارات والمزارع فطرد اهلهاعنها…الخ.

وقال ابن منظور في لسان العرب ((1-1727)) (3/236)، والزبيدي في تاج العروس (2/124) ما ملخصه: بطحاء الوادي‏تراب لين مما جرته السيول. وقال ابن الاثير ((1-1728)) : بطحاء الوادي وابطحه حصاه اللين في بطن المسيل، ومنه الحديث: انه صلى بالابطح، يعني‏ابطح مكة. قال: هو مسيل واديها. وعن ابي حنيفة: الابطح لا ينبت شيئا، انما هو بطن المسيل. وعن النضر: البطحاء بطن التلعة والوادي، وهو التراب السهل في بطونها مما قد جرته السيول، يقال: اتينا ابطح الوادي‏فنمنا عليه. وبطحاؤه مثله وهو ترابه وحصاه السهل اللين. وقال ابو عمرو: سمي المكان ابطح، لان الماء ينبطح فيه، اي يذهب يمينا وشمالا، الجمع اباطح وبطائح. وفي الصحاح ((1-1729)) : تبطح السيل: اتسع في البطحاء. وقال ابن سيدة ((1-1730)) : سال سيلا عريضا،

قال ذو الرمة:

ولا زال من نوء السماك عليكما / ونوء الثريا وابل متبطح

وقال لبيد:

يزع الهيام عن الثرى ويمده / بطح يهايله عن الكثبان

وقال اخر:

اذا تبطحن على المحامل / تبطح البط بجنب الساحل

وبطحاء مكة وابطحها معروفة لانبطاحها، بطحان بالضم وسكون الطاءوهو الاكثر، قال ابن الاثير في النهاية ((1-1731)) : ولعله الاصح. وقال عياض في المشارق ((1-1732)) : هكذا يرويه المحدثون. وكذا سمعناه من المشايخ، والصواب الفتح‏وكسر الطاء كقطران كذا قيد القالي في ال ((1-1733))بارع ، وابو حاتم والبكري في المعجم، وزاد الاخير: ولا يجوز غيره.هو احد اودية المدينة الثلاثة: وهو العقيق وبطحان وقتاة، وروى ابن الاثير فيه الفتح ايضا وغيره بالكسر، وفي الحديث‏كان عمر اول من بطح المسجد وقال: ابطحوه من الوادي المبارك. تبطيح المسجد القاء الحصى فيه وتوثيره، وفي حديث‏ابن الزبير: فاهاب بالناس الى بطحه، اي تسويته. وانبطح الوادي في هذا المكان واستبطح، اي استوسع فيه، ويقال في‏النسبة الى بطحان المدينة: البطحانيون. انتهى ((1-1734)) .

وقال اليعقوبي في كتاب البلدان (ص‏84): ومن واسط الى البصرة في البطائح، لانه تجمع فيها عدة مياه، ثم يصير من‏البطائح في دجلة العوراء، ثم يصير الى البصرة فيرسي في شط نهر ابن عمر. انتهى. ويوم البطحاء: من ايام العرب المعروفة منسوب الى بطحاء ذي‏قار، وقعت الحرب فيها بين كسرى وبكر بن وائل.

وهناك شواهد كثيرة من الشعر لمن يحتج بقوله في اللغة العربية، منها ما يعزى الى مولانا امير المؤمنين(ع) من قوله‏ يخاطب به الوليد بن المغيرة:

يهددني بالعظيم الوليد / فقلت: انا ابن ابي طالب

انا ابن المبجل بالابطحين / وبالبيت من سلفي غالب

وذكر الميبذي في شرحه ((1-1735)) : انه(ع) يريد ابطح مكة والمدينة. وقال نابغة بني شيبان ((1-1736)) في ديوانه (ص‏104) من قصيدة يمدح بها عبدالملك ابن مروان :

والارض جم النبات منه بها / مثل الزرابي للونه صبح

وارتدت الاكم من تهاويل ذي / نور عميم والاسهل البطح

وللسيد الحميري يصف الكوثر الذي يسقي منه امير المؤمنين(ع) شيعته يوم القيامة قوله من قصيدة تاتي في ترجمته في‏شعراء القرن الثاني:

بطحاؤه مسك وحافاته / يهتز منها مونق مربع

وقال ابو تمام المترجم في شعراء القرن الثالث في المديح في ديوانه (ص‏68):

قوم هم امنوا قبل الحمام بها / من بين ساجعها الباكي ونائحها

كانوا الجبال لها قبل الجبال وهم / سالوا ولم يك سيل في اباطحها

وقال الشريف الرضي ((1-1737)) من قصيدة في ديوانه (1/205): ((1-1738))

دعوا ورد ماء لستم من حلاله / وحلوا الروابي قبل سيل الاباطح

وله من قصيدة اخرى توجد في ديوانه (ص‏198) قوله:

متى ارى البيض وقد امطرت / سيل دم يغلب سيل البطاح

ويقول من اخرى (ص‏194):

فلرب عيش فيك رق نسيمه / كالماء رق على جنوب بطاح

وله من اخرى (ص‏191):

بكل فلاة تقود الجياد / تعثر فيها ببيض الاداحي ((1-1739))

فيلجم اعناقها بالجبال / وينعل ارساغها بالبطاح

وقال مهيار الديلمي ((1-1740)) في قصيدة كتبها الى النهرواني يهنئه بعقد نكاح ((1-1741)) :

فما اتفق السعدان حتى تكافا / اعز بطون في اعز بطاح

ولوقيل: غيرالشمس سيقت هدية / الى البدر لم افرح له بنكاح

وله في ديوانه (1/199) من قصيدة كتبها الى الصاحب ابي القاسم قوله:

فكن سامعا في كل نادي مسرة / شوارد في الدنيا ولسن بوارحا

حوامل اعباء الثناء خفائفا / صعدن الهضاب او هبطن الاباطحا

وقال ((1-1742)) في مستهل قصيدة كتبها الى ناصر الدولة بعمان:

لمن صاغيات ((1-1743)) في الجبال طلائح ((1-1744)) / تسيل على نعمان منها الاباطح

وقال ابو اسحاق بن خفاجة الاندلسي : المتوفى (533) من مقطوعة:

فان انا لم اشكرك والدار غربة ((1-1745)) / فلا جادني غاد من المزن رائح

ولا استشرفت يوما الي به الربى / جلالا ولا هشت الي الاباطح

وله من قصيدة اخرى في ديوانه (ص‏37):

تخايل نخوة بهم المذاكي ((1-1746)) / وتعسل هزة لهم الرماح

لهم همم كما شمخت جبال / واخلاق كما دمثت بطاح

ومن مقطوعة له يصف الكلب والارنب في ديوانه (ص‏37):

يجول بحيث يكشر عن نصال / مؤللة وتحمله رماح

وطورا يرتقي حدب الروابي / واونة تسيل به البطاح

ويقول في قصيدة يهنئ بها قاضي القضاة:

بشرى كما اسفر وجه الصباح / واستشرف الرائد برقا الاح

وارتجز الرعد بلج الندى / ريا ويحدو بمطايا الرياح

فدنر الزهر متون الربى‏ / ودرهم القطر بطون البطاح ((1-1747))

وله من قصيدة يصف معركا قوله:

زحمت مناكبه الاعادي زحمة / بسطتهم فوق البطاح بطاحا

وله من اخرى قوله:

غلام كما استخشنت جانب هضبة / ولان على طش ((1-1748)) من المزن ابطح

وللارجاني المتوفى (544) من قصيدة يمدح بها الوزير شمس الملك في ديوانه(ص‏80) قوله:

لا غرو ان فاضت دما مقلتي / وقد غدت مل‏ء فؤادي جراح

بل يا اخا الحي اذا زرته / فحي عني ساكنات البطاح

ولشهاب الدين المعروف بحيص بيص المتوفى (574) المدفون في مقابر 2قريش في رثاء اهل البيت(ع) عن لسانهم‏يخاطب من ناواهم، وتجرا على اللّه بقتلهم قوله : ((1-1749))

ملكنا فكان العفو منا سجية / فلما ملكتم سال بالدم ابطح

وحللتم قتل الاسارى وطالما / غدونا عن‏الاسرى نعف ونصفح ((1-1750))

وانت جد عليم ان مصارع اهل البيت(ع) نوعا كانت بالعراق في مشهد الطف وغيره، ومنهم من قتل بفخ من اعمال مكة،غير انه واقع بينها وبين المدينة يبعد عنها نحو ستة اميال، لا في جهة الابطح الذي هو وادي المحصب بمقربة من منى‏في شرقي مكة. ولبعضهم يرثي الامام السبط الشهيد(ع) قوله من قصيدة:

تئن نفسي للربوع وقد غدا / بيت النبي مقطع الاطناب

بيت لال المصطفى في كربلا / ضربوه بين اباطح وروابي

الوجه الثاني :

ان سورة المعارج مكية باتفاق اهل العلم، فيكون نزولها قبل واقعة الغدير بعشر سنين، او اكثر من ذلك.

الجواب :

ان المتيقن من معقد الاجماع المذكور هو نزول مجموع السورة مكيا، لا جميع اياتها، فيمكن ان يكون خصوص هذه‏الاية مدنيا كما في كثير من السور. ولا يرد عليه: ان المتيقن من كون السورة مكية او مدنية هو كون مفاتيحها كذلك، او الاية التي انتزع منها اسم السورة،لما قدمناه من ان هذا الترتيب هو ما اقتضاه التوقيف، لا ترتيب النزول، فمن الممكن نزول هذه الاية اخيرا وتقدمهاعلى النازلات قبلها بالتوقيف، وان كنا جهلنا الحكمة في ذلك كما جهلناها في اكثر موارد الترتيب في الذكر الحكيم،وكم لها من نظير، ومن ذلك:

1 سورة العنكبوت:

فانها مكية، الا من اولها عشر ايات، كما رواه الطبري في تفسيره ((1-1751)) في الجزء العشرين(ص‏86)، والقرطبي في ((1-1752))تفسيره (13/323)، والشربيني في السراج المنير ((1-1753)) (3/116).

2 سورة الكهف:

فانها مكية، الا من اولها سبع ايات، فهي مدنية وقوله: (واصبر نفسك) الاية. كما في تفسير القرطبي((1-1754))(10/346)، واتقان السيوط‏ي ((1-1755)) (1/16).

3 سورة هود:

مكية، الا قوله: (واقم الصلاة طرفي النهار)، كما في تفسير القرطبي ((1-1756)) (9/1) وقوله: (فلعلك تارك بعض مايوحى اليك)، كما في السراج ((1-1757))المنير (2/40).

4 سورة مريم:

مكية الا اية السجدة، وقوله: (وان منكم الا واردها)، كما في اتقان السيوط‏ي ((1-1758)) (1/16).

5 سورة الرعد:

فانها مكية الا قوله: (ولا يزال الذين كفروا) وبعض ايها الاخر، او بالعكس، كما نص عليه القرطبي في‏تفسيره ((1-1759)) (9/278)، والرازي في تفسيره ((1-1760)) (6/258)، والشربيني في تفسيره ((1-1761)) (2/137).

6 سورة ابراهيم:

مكية الا قوله: (الم تر الى الذين بدلوا نعمة اللّه…) الايتين. نص به القرطبي في تفسيره ((1-1762)) (9/338)، والشربيني في السراج ‏المنير ((1-1763)) (2/159).

7 سورة الاسراء:

مكية الا قوله (وان كادوا ليستفزونك من الارض) الى قوله: (واجعل لي من لدنك نصيرا)، كما في تفسيرالقرطبي ((1-1764)) (10/203)، والرازي ((1-1765)) (5/540)، والسراج المنير ((1-1766)) (2/261).

8 سورة الحج:

مكية الا قوله: (ومن الناس من يعبد اللّه على حرف)، كما في تفسير القرطبي ((1-1767)) (12/1)،والرازي((1-1768)) (6/206)، والسراج المنير ((1-1769)) (2/511).

9 سورة الفرقان:

مكية الا قوله: (والذين لا يدعون مع اللّه الها اخر)، كما في تفسير القرطبي ((1-1770)) (13/1)، والسراج ‏المنير ((1-1771))(2/617).

10 سورة النحل:

مكية الا قوله: (وان عاقبتم فعاقبوا) الاية. الى اخر السورة. نص على ذلك القرطبي في تفسيره ((1-1772)) (15/65)، والشربيني في تفسيره ((1-1773)) (2/205).

11 سورة القصص:

مكية الا قوله: (الذين اتيناهم الكتاب من قبله)، وقيل: الا اية: (ان الذي فرض عليك القران) الاية، كما في ‏تفسيري القرطبي ((1-1774)) (13/247)،والرازي ((1-1775)) (6/585).2

12 سورة المدثر:

مكية غير اية من اخرها على ما قيل، كما في تفسير الخازن ((1-1776)) (4/343).

13 سورة القمر:

مكية الا قوله: (سيهزم الجمع ويولون الدبر). قاله الشربيني في السراج المنير ((1-1777)) (4/136).

14 سورة الواقعة:

مكية الا اربع ايات، كما في السراج المنير (4/171). ((1-1778))

15 سورة المطففين:

مكية الا الاية الاولى، ومنها انتزع اسم السورة، كما اخرجه الطبري في الجزء الثلاثين من تفسيره((1-1779))(ص‏58).

16 سورة الليل:

مكية الا اولها، ومنها اسم السورة، كما في الاتقان ((1-1780)) (1/17).

17 سورة يونس:

مكية الا قوله: ( فان كنت في شك… ) الايتين، او الثلاث، او قوله: (ومنهم من يؤمن به)، كما في تفسيرالرازي ((1-1781)) (4/774)، واتقان السيوط‏ي ((1-1782)) (1/15)، وتفسير الشربيني (2/2).

كما ان غير واحد من السور المدنية فيها ايات مكية:

منها: سورة المجادلة، فانها مدنية الا العشر الاول، ومنها تسمية السورة، كما في تفسير ابي السعود ((1-1783)) في هامش‏الجزء الثامن من تفسير الرازي (ص‏148)، والسراج المنير ((1-1784)) (4/210). ومنها: سورة البلد مدنية الا الاية الاولى وبها تسميتها بالبلد الى غاية الاية الرابعة كما قيل في الاتقان((1-1785))(1/17) وسور اخرى لا نطيل بذكرها المجال.

على ان من الجائز نزول الاية مرتين، كايات كثيرة نص العلماء على نزولها مرة بعد اخرى عظة وتذكيرا، او اهتمامابشانها، او اقتضاء موردين لنزولها غير مرة، نظير البسملة، واول سورة الروم، واية الروح، وقوله: (ما كان للنبي والذين امنواان يستغفروا للمشركين) ((1-1786)) وقوله: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) ((1-1787)) …الى اخر النحل. وقوله: (من كان عدواللّه ((1-1788)) ) الاية، وقوله: (اقم الصلاة طرفي النهار ((1-1789)) ) ، وقوله: (اليس اللّه بكاف عبده ((1-1790)) ) ، وسورة الفاتحة، فانها نزلت مرة بمكة حين فرضت الصلاة، ومرة بالمدينة حين حولت القبلة. ولتثنية نزولها سميت بالمثاني . ((1-1791))

الوجه الثالث :

ان قوله تعالى: (واذ قالوا اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك‏فامطر علينا حجارة من السماء) ((1-1792)) نزلت عقيب ‏بدر بالاتفاق قبل يوم الغدير بسنين.

الجواب :

كان هذا الرجل يحسب ان من يروي تلك الاحاديث المتعاضدة يرى نزول ما لهج به الحارث بن النعمان الكافر من‏الاية الكريمة السابق نزولها، وافرغها في قالب الدعاء في اليوم المذكور، والقارئ لهاتيك الاخبار جد عليم بمينه في‏هذا الحسبان، او انه يرى حجرا على الايات السابق نزولها ان ينطق بها احد، فهل في هذه الرواية غير ان الرجل المرتد الحارث او جابر تفوه بهذه الكلمات؟ واين هو من وقت نزولها؟ فدعها يكن نزولها في بدر او احد، فالرجل ابدى‏كفره بها، كما ابدى الكفار قبله الحادهم بها. لكن ابن تيمية يريد تكثير الوجوه في ابطال الحق الثابت.

الوجه الرابع :

انها نزلت بسبب ما قاله المشركون بمكة، ولم ينزل عليهم العذاب هناك لوجود النبي(ص) بينهم، لقوله‏تعالى: (وما كان اللّه ليعذبهم وانت فيهم وما كان اللّه معذبهم وهم يستغفرون ((1-1793)) ) .

الجواب :

لا ملازمة بين عدم نزول العذاب في مكة على المشركين، وبين عدم نزوله هاهنا على الرجل، فان افعال المولى‏سبحانه تختلف باختلاف وجوه الحكمة، فكان في سابق علمه اسلام جماعة من اولئك بعد حين، او وجود مسلمين في‏اصلابهم، فلو ابادهم بالعذاب النازل لاهملت الغاية المتوخاة من بعث الرسول( ص). ولما لم ير سبحانه ذلك الوجه في هذا المنتكس على عقبه عن دين الهدى بقيله ذلك، ولم يكن ليلدمؤمنا، كما عرف ‏ذلك نوح (ع) من قومه، فقال: (ولا يلدوا الا فاجرا كفارا ((1-1794)) ) ، قطع جرثومة فساده بما تمناه من العذاب الواقع. وكم فرق بين اولئك الذين عوملوا بالرفق رجاء هدايتهم، وتشكيل امة مرحومة منهم ومن اعقابهم، مع العلم بان‏الخارج‏منهم عن هاتين الغايتين سوف يقضى عليه في حروب دامية، او ياتي عليه الخزي المبير، فلا يسعه بث ضلالة، او اقامة‏عيث، وبين هذا الذي اخذته الشد ة، مع العلم بان حياته مثار فتن، ومنزع الحاد، وما عساه يتوفق لهدايته، او يستفادبعقبه. ووجود الرسول(ص) رحمة تدرا العذاب عن الامة، الا ان تمام الرحمة ان‏يكون فيها مكتسح للعراقيل امام السير في‏لاحب الطريق المهيع، ولذلك قم سبحانه ذلك الجذم ((1-1795)) الخبيث، للخلاف عما ابرمه النبي الاعظم في امر الخلافة،كما انه في حروبه ومغازيه كان يجتاح اصول الغي بسيفه الصارم، وكان يدعو على من شاهد عتوه، ويئس من ايمانه،فتجاب دعوته:

اخرج مسلم في صحيحه ((1-1796)) (2/468) بالاسناد عن ابن مسعود: ان قريشا لما استعصت على رسول اللّه(ص)وابطؤوا عن الاسلام، قال: «اللهم اعني عليهم بسبع كسبع يوسف‏»، فاصابتهم سنة فحصت كل شي‏ء، حتى اكلواالجيف والميتة، حتى ان احدهم كان يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع، فذلك قوله: (يوم تاتي السماء بدخان‏ مبين ((1-1797)) ) ، ورواه البخاري ((1-1798)) (2/125).

وفي تفسيرالرازي ((1-1799)) (7/467): ان‏النبي(ص) دعا على قومه بمكة‏لما كذبوه، فقال: «اللهم اجعل سنيهم كسني يوسف‏»، فارتفع المطر، واجدبت الارض، واصابت قريشا شدة المجاعة حتى اكلوا العظام‏والكلاب والجيف، فكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان، وهذا قول ابن عباس ومقاتل‏ومجاهد واختيار الفراء والزجاج، وهو قول ابن مسعود.

وروى ابن الاثير في النهاية ((1-1800)) (3/124): ان النبي(ص) قال: «اللهم اشدد وطاتك على مضر مثل سني يوسف‏»، فجهدوا حتى اكلوا العلهز ((1-1801)) . ورواه السيوط‏ي في الخصائص الكبرى ((1-1802)) (1/257) من طريق البيهقي ((1-1803)) عن عروة ومن طريقه وطريق ابي‏ نعيم ((1-1804)) عن ابي هريرة.

وقال ابن الاثير في الكامل (2/27): ((1-1805)) كان ابو زمعة الاسود بن المطلب بن اسد بن عبدالعزى واصحابه يتغامزون بالنبي(ص) فدعا عليه رسول اللّه(ص) ان يعمى‏ويثكل ولده، فجلس في ظل شجرة، فجعل جبريل يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها وبشوكها حتى عمي.

وقال: دعا رسول اللّه(ص) على مالك بن الطلالة بن عمرو بن غبشان، فاشار جبريل الى راسه، فامتلا قيحا فمات.

وروى ابن عبدالبر في الاستيعاب ((1-1806)) هامش الاصابة (1/318): ان النبي(ص) كان اذا مشى يتكفا، وكان الحكم بن‏ابي العاص يحكيه، فالتفت النبي(ص) يوما فراه يفعل ذلك، فقال(ص): «فكذلك فلتكن‏»، فكان الحكم مختلجا يرتعش‏من يومئذ، فعيره عبدالرحمن بن حسان بن ثابت، فقال في عبدالرحمن بن الحكم يهجوه:

ان اللعين ابوك فارم عظامه / ان ترم ترم مخلجا مجنونا

يمسي‏ خميص‏ البطن‏ من‏ عمل التقى / ويظل من عمل الخبيث بطينا

وروى ابن الاثير في النهاية ((1-1807)) (1/345) من طريق عبدالرحمن بن ابي بكر: ان الحكم بن ابي العاص بن امية ابا مروان كان يجلس خلف النبي(ص) فاذا تكلم اختلج بوجهه، فراه فقال له: «كن‏ كذلك‏»، فلم يزل يختلج حتى مات. وفي رواية: فضرب به شهرين ثم افاق خليجا: اي صرع، ثم افاق مختلجا ((1-1808)) ، قد اخذ لحمه وقوته. وقيل:مرتعشا.

وروى ابن حجر في الاصابة (1/345) من طريق الطبراني ((1-1809)) ، والبيهقي في الدلائل ((1-1810)) ، والسيوط‏ي في‏الخصائص الكبرى ((1-1811)) (2/79) عن الحاكم ((1-1812)) وصححه، وعن البيهقي والطبراني عن عبدالرحمن بن ابي بكرالصديق قال: كان الحكم بن ابي العاص يجلس الى النبي(ص) فاذا تكلم النبي(ص) اختلج بوجهه، فقال له النبي: «كن‏كذلك‏». فلم يزل يختلج حتى مات. وروى مثله بطريق اخر.

وفي الاصابة (1/346): اخرج البيهقي ((1-1813)) من طريق مالك بن دينار: حدثني هند بن خديجة زوج النبي(ص): مر النبي(ص) بالحكم، فجعل الحكم يغمز النبي(ص) باصبعه فالتفت فراه، فقال:«اللهم اجعله وزغا»، فزحف مكانه.

وفي الاصابة (1/276)، والخصائص الكبرى ((1-1814)) (2/79): ذكر ابن فتحون عن الطبري: ان النبي(ص) خطب الى الحارث بن ابي الحارثة ابنته جمرة بنت الحارث، فقال: ان بهاسوء. ولم تكن كما قال، فرجع فوجدها قد برصت.

وفي الخصائص الكبرى ((1-1815)) (2/78) من طريق البيهقي عن اسامة بن زيد 2قال: ((1-1816)) بعث رسول اللّه(ص) رجلا، فكذب عليه، فدعا عليه رسول اللّه(ص)، فوجد ميتا قد انشق بطنه، ولم تقبله الارض.

وفي الخصائص ((1-1817)) (1/147): اخرج البيهقي ((1-1818)) وابو نعيم من طريق ابي نوفل بن ابي عقرب عن ابيه قال: اقبل لهب بن ابي لهب يسب النبي، فقال النبي(ص): «اللهم سلط عليه كلبك‏». قال: وكان ابو لهب يحتمل البز الى الشام، ويبعث بولده مع غلمانه ووكلائه، ويقول: ان ابني اخاف عليه دعوة محمدفتعاهدوه. فكانوا اذا نزلوا المنزل الزقوه الى الحائط وغطوا عليه الثياب والمتاع، ففعلوا ذلك به زمانا، فجاء سبع، فتله فقتله.

واخرج البيهقي عن قتادة: ان عتبة ((1-1819)) بن ابي لهب تسلط على رسول اللّه(ص)، فقال رسول اللّه: «اما اني اسال اللّهان يسلط عليه كلبه‏»، فخرج في نفر من قريش حتى نزلوا في مكان من الشام يقال له الزرقاء ليلا، فاطاف بهم الاسد،فغدا اي وثب عليه الاسد من بين القوم، واخذ براسه فضغمه ضغمة فذبحه. ((1-1820))

واخرج البيهقي ((1-1821)) عن عروة: ان الاسد لما كان بهم تلك الليلة انصرف عنهم، فقاموا وجعلوا عتبة في وسطهم،فاقبل الاسد يتخطاهم، حتى اخذ براس عتبة ففدغه. ((1-1822)) وروي عن ابي نعيم ((1-1823)) وابن عساكر ((1-1824)) من طريق عروة مثله، واخرجه ابن اسحاق وابو نعيم ((1-1825)) من‏طريق اخر عن محمد بن كعب القرظ‏ي وغيره. وزاد: ان حسان بن ثابت قال في ذلك:

سائل بني‏الاشقر ان جئتهم ((1-1826)) / ما كان انباء ابي واسع ((1-1827))

لا وسع اللّه له قبره / بل ضيق اللّه على القاطع

رحم نبي جده ثابت / يدعو الى نور له ساطع

اسبل بالحجر لتكذيبه / دون قريش نهزة القارع

فاستوجب الدعوة منه ما / بين للناظر والسامع

ان سلط اللّه بها كلبه / يمشي الهوينا مشية الخادع

حتى اتاه وسط اصحاب / ه‏وقد علتهم سنة الهاجع‏

فالتقم الراس بيافوخه / والنحر منه فغرة الجائع

قلت: لا يوجد في ديوان حسان من هذه الابيات الا البيت الاول، وفيه بعده قوله:

اذ تركوه وهو يدعوهم / بالنسب الاقصى وبالجامع

والليث يعلوه بانيابه / منعفرا وسط دم ناقع

لا يرفع الرحمن مصروعهم / ولا يوهن قوة الصارع

واخرج ابو نعيم ((1-1828)) عن طاووس قال: لما تلا رسول اللّه(ص) (والنجم اذا هوى) قال عتبة بن ابي لهب: كفرت برب النجم. فقال رسول اللّه(ص): «سلط اللّه عليك‏كلبا من كلابه‏»…الحديث.

واخرج ابو نعيم عن ابي الضحى قال: قال ابن ابي لهب: هو يكفر بالذي قال (والنجم اذا هوى) فقال النبي(ص)…الحديث. وبهذه كلها تعلم ان العذاب المنفي في الايتين بسبب وجوده المقدس يراد به النفي في الجملة لا بالجملة، وهو الذي‏تقتضيه الحكمة، ويستدعيه الصالح العام، فان في الضرورة ملزما لقطع العضو الفاسد، اتقاء سراية الفساد منه الى غيره،بخلاف الجثمان الدنف ((1-1829)) بعضه، بحيث لا يخشى بداره الى غيره، او المضنى كله ويؤمل فيه الصحة، فانه يعالج‏حتى يبرا.

وان اللّه سبحانه هدد قريشا بمثل صاعقة عاد وثمود ان مردوا عن الدين جميعا،وقال: (فان اعرضوا فقل انذرتكم صاعقة مثل‏صاعقة عاد وثمود ((1-1830)) )، واذ كان مناط الحكم اعراض الجميع لم تاتهم الصاعقة بحصول المؤمنين فيهم، ولو كانوااستمروا على الضلال جميعا لاتاهم ما هددوا به، ولو كان وجود الرسول(ص) مانعا عن جميع اقسام العذاب بالجملة لماصح ذلك التهديد، ولما اصيب النفر الذين ذكرناهم بدعوته، ولما قتل احد في مغازيه بعضبه الرهيف، فان كل هذه اقسام‏العذاب اعاذنا اللّه منها.

الوجه الخامس :

انه لو صح ذلك لكان اية كاية اصحاب الفيل، ومثلها تتوفر الدواعي لنقله، ولما وجدنا المصنفين في‏العلم من ارباب المسانيد والصحاح والفضائل والتفسير والسير ونحوها قد اهملوه راسا، فلا يروى الا بهذا الاسنادالمنكر، فعلم انه كذب باطل.

الجواب :

ان قياس هذه التي هي حادثة فردية لا تحدث في المجتمع فراغا كبيرا يؤبه له، ووراءها اغراض مستهدفة تحاول‏اسدال ستور الانساء عليها، كما اسدلوها على نص الغدير نفسه، وهملجوا ((1-1831)) وراء ابطاله حتى كادوا ان يبلغواالامل بصور خلا بة، وتلفيقات مموهة، واحاديث مائنة، بيد ان اللّه ابى الا ان يتم نوره.

ان قياسها بواقعة اصحاب الفيل تلك الحادثة العظيمة التي عدادها في الارهاصات النبوية، وفيها تدمير امة كبيرة يشاهدالعالم كله فراغها الحادث، وانقاذ امة هي من ارقى الامم، والابقاء عليها وعلى مقدساتها، وبيتها الذي هو مطاف الامم،ومقصد الحجيج، وتعتقد الناس فيه الخير كله والبركات باسرها، وهو يومئذ اكبر مظهر من مظاهر الصقع الربوبي.

ان قياس تلك بهذه في توفر الدواعي لنقلها مجازفة ظاهرة، فان من حكم الضرورة ان الدواعي في الاولى دونها في‏الثانية، كما تجد هذا الفرق لائحا بين معاجز النبي(ص)، فمنها ما لم ينقل الا باخبار احاد، ومنها ما تجاوز حد التواتر،ومنها ما هو المتسالم عليه بين المسلمين بلا اعتناء بسنده، وما ذلك الا لاختلاف موارد العظمة فيها او المقارنات‏ المحتفة بها.

واما ما ادعاه ابن تيمية من اهمال طبقات المصنفين لها فهو مجازفة اخرى، لما اسلفناه من رواية المصنفين لها من ائمة‏العلم وحملة التفسير، وحفاظ الحديث، ونقلة التاريخ الذين تضمنت المعاجم فضائلهم الجمة، وتعاقب من العلماءاطراؤهم. والى الغاية لم نعرف المشار اليه في قوله: بهذا الاسناد المنكر، فانه لا ينتهي الا الى حذيفة بن اليمان المترجم(ص‏27) الصحابي العظيم، وسفيان بن عيينة المعروف امامته في العلم والحديث والتفسير وثقته في‏الرواية‏المترجم(ص‏80). واما الاسناد اليهما فقد عرفه الحفاظ والمحدثون والمفسرون المنقبون في هذا الشان، فوجدوه حريا بالذكر والاعتماد،وفسروا به اية من الذكر الحكيم من دون اي نكير، ولم يكونوا بالذين يفسرون الكتاب بالتافهات. نعم، هكذا سبق‏العلماء وفعلوا، لكن ابن تيمية استنكر السند، وناقش في المتن، لان شيئا من ذلك لا يلائم دعارة خطته.

الوجه السادس :

ان المعلوم من هذا الحديث ان حارثا المذكور كان مسلما باعترافه بالمبادئ الخمسة الاسلامية، ومن‏المعلوم بالضرورة ان احدا من المسلمين لم يصبه عذاب على العهد النبوي.

الجواب :

ان الحديث كما اثبت اسلام الحارث فكذلك اثبت ردته برده قول النبي(ص) وتشكيكه فيما اخبر به عن اللّه تعالى،والعذاب لم ياته على حين اسلامه، وانما جاءه بعد الكفر والارتداد، وقد مر في (ص‏245) انه بعد سماعه الحديث‏شك في نبوة النبي(ص) على ان في المسلمين من شملته العقوبة لما تجرؤوا على قدس صاحب الرسالة كجمرة ابنة‏الحارث التي اسلفنا حديثها (ص‏260)، وبعض اخر مر حديثه في جواب الوجه الرابع. وروى مسلم في صحيحه عن ((1-1832)) سلمة بن الاكوع: ان رجلا اكل عند النبي(ص) بشماله، فقال: «كل بيمينك‏». قال: لا استطيع. قال: «لا استطعت‏». قال: فما رفعها الى فيه بعد.

وفي صحيح البخاري ((1-1833)) (5/227): ان النبي دخل على اعرابي يعوده، قال: وكان النبي(ص) اذا دخل على مريض‏يعوده قال: «لا باس طهور». قال: قلت: طهور، كلا بل هي حمى تفور او تثور على شيخ كبير تزيره القبور. فقال النبي(ص): «فنعم اذا». فما امسى من الغد الا ميتا.

وفي اعلام النبوة للماوردي ((1-1834)) (ص‏81) قال: «نهى رسول اللّه(ص) ان ينقي الرجل شعره في الصلاة، فراى رجلاينقي شعره في الصلاة، فقال: «قبح اللّه شعرك‏» فصلع مكانه.

الوجه السابع :

ان الحارث بن النعمان غير معروف في الصحابة، ولم يذكره ابن عبدالبر في الاستيعاب، وابن مندة وابونعيم الاصبهاني وابو موسى في تاليف الفوها في اسماء الصحابة، فلم نتحقق وجوده.

الجواب :

ان معاجم الصحابة غير كافلة لاستيفاء اسمائهم، فكل مؤلف من اربابها جمع‏ما وسعته حيطته ((1-1835)) ، واحاط به‏اطلاعه، ثم جاء المتاخر عنه فاستدرك على من قبله بما اوقفه السير في غضون الكتب وتضاعيف الاثار، واوفى ماوجدناه من ذلك كتاب الاصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، ومع ذلك فهو يقول في مستهل كتابه ((1-1836)): فان من اشرف العلوم الدينية علم الحديث النبوي، ومن اجل معارفه تمييز اصحاب رسول اللّه(ص) ممن خلف بعدهم،وقد جمع في ذلك جمع من الحفاظ تصانيف‏بحسب ما وصل اليه اطلاع كل منهم.2 فاول من عرفته صنف في ذلك ابو عبداللّه البخاري، افرد في ذلك تصنيفا، فنقل منه ابو القاسم البغوي وغيره، وجمع‏اسماء الصحابة مضمومة الى من بعدهم جماعة من طبقة مشايخه، كخليفة بن خياط، ومحمد بن سعد، ومن قرنائه‏كيعقوب بن سفيان، وابي بكر بن ابي خيثمة. وصنف في ذلك جمع بعدهم كابي القاسم البغوي، وابي بكر بن ابي داود، وعبدان، ومن قبلهم بقليل كمطين، ثم كابي‏علي‏بن السكن، وابي حفص بن شاهين، وابي منصور الماوردي، وابي حاتم بن حب ان، وكالطبراني ضمن معجمه‏الكبير، ثم كابي عبداللّه بن مندة، وابي نعيم، ثم كابي عمر بن عبد البر، وسمى كتابه الاستيعاب، لظنه انه استوعب ما في‏كتب من قبله، ومع ذلك ففاته شي‏ء كثير، فذيل عليه ابو بكر ابن فتحون ذيلا حافلا، وذيل عليه جماعة في تصانيف‏لطيفة، وذيل ابو موسى المديني على ابن مندة ذيلا كبيرا. وفي اعصار هؤلاء خلائق يتعسر حصرهم ممن صنف في ذلك ايضا الى ان كان في اوائل القرن السابع، فجمع‏عزالدين بن الاثير كتابا حافلا سم اه اسد الغابة،جمع فيه كثيرا من التصانيف المتقدمة الا انه تبع من قبله، فخلط من‏ليس صحابيا بهم، واغفل كثيرا من التنبيه على كثير من الاوهام الواقعة في كتبهم. ثم جرد الاسماء التي في كتابه مع زيادات عليها الحافظ ابو عبداللّه الذهبي، وعلم لمن ذكر غلطا ولمن لا تصح‏صحبته، ولم يستوعب ذلك ولا قارب. وقد وقع لي بالتتبع كثير من الاسماء التي ليست في كتابه ولا اصله على شرطهما، فجمعت كتابا كبيرا في ذلك ميزت‏فيه الصحابة من غيرهم، ومع ذلك فلم يحصل لنا من ذلك جميعا الوقوف على العشر من اسامي الصحابة بالنسبة الى ماجاء عن ابي زرعة الرازي: قال: توفي النبي(ص) ومن راه وسمع منه زيادة على مائة الف انسان من رجل وامراة، كلهم قد روى عنه سماعا اورؤية. قال ابن فتحون في ذيل الاستيعاب بعد ان ذكر ذلك: اجاب ابو زرعة بهذا سؤال من ساله عن الرواة خاصة، فكيف‏بغيرهم؟! ومع هذا فجميع من في الاستيعاب يعني بمن ذكر فيه باسم او كنية وهما ثلاثة الاف وخمسمائة، وذكر انه‏استدرك عليه على شرطه قريبا ممن ذكر. قلت: وقرات بخط الحافظ الذهبي من ظهر كتابه التجريد: لعل الجميع ثمانية الاف ان لم يزيدوا لم ينقصوا. ثم رايت‏بخطه: ان جميع من في اسد الغابة سبعة الاف‏وخمسمائة واربعة وخمسون نفسا. ومما يؤيد قول ابي زرعة ما ثبت في الصحيحين ((1-1837)) عن كعب بن مالك في قصة تبوك: والناس كثير لا يحصيهم‏ديوان. وثبت عن الثوري فيما اخرجه الخطيب ((1-1838)) بسنده الصحيح اليه قال: من قدم‏عليا على عثمان فقد ازرى على اثني‏عشر الفا مات رسول اللّه(ص) وهو عنهم راض. فقال النووي: وذلك بعد النبي باثني عشر عاما بعد ان مات في خلافة ابي بكر في الردة والفتوح الكثير ممن لم يضبط‏اسماؤهم، ثم مات في خلافة عمر في الفتوح وفي الطاعون العام وعمواس ((1-1839)) وغير ذلك من لا يحصى كثرة،وسبب خفاء اسمائهم ان اكثرهم اعراب واكثرهم حضروا حجة الوداع. واللّه اعلم. انتهى.

وقد اسلفنا في (ص‏9): ان الحضور في حجة الوداع مع رسول اللّه كانوا مائة الف او يزيدون، اذا فاين لهذه الكتب استيفاء ذلك العدد الجم؟وليس في مجاري الطبيعة الخبرة بجميع هاتيك التراجم بحذافيرها، فان اكثر القوم كانوا مبثوثين في البراري والفلوات‏تقلهم مهابط الاودية وقلل الجبال، ويقطنون المفاوز والحزوم ((1-1840)) ، ولا يختلفون الى الاوساط والحواضر الا لغايات وقتية تقع عندها الصحبة والرواية في‏ايام وليال تبطئ بهم الحاجات‏فيها، وليس هناك ديوان تسجل فيه‏الاسماء،ويتعرف‏احوال‏الوارد والصادر.

اذا فلا يسع اي باحث الاحاطة باحوال امة هذه شؤونها، وانما قيد المصنفون اسماء كثر تداولها في الرواية، او لاربابهااهمية في الحوادث، وبعد هذا كله فالنافي لشخص لم يجد اسمه في كتب هذا شانها خارج عن ميزان النصفة، ومتحايدعن نواميس البحث. على ان من المحتمل قريبا ان مؤلفي معاجم الصحابة اهملوا ذكره لردته الاخيرة.

(ومن الناس من يجادل في اللّه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ((1-1841)) )